أحبك

أطفالنا لا يحتاجون إلى مالنا وهدايانا فحسب، بل إلى كلماتنا أيضا. الكلمات تهز القلوب طربا وفرحا. لمَ لا نختتم أحاديثنا الهاتفية مع زوجاتنا وأطفالنا بـ أحبك. هذه المفردة السحرية. إن الأطفال لا يرثون ممتلكاتنا، وإنما كلماتنا أيضاً.

كنت أتردد على مكتبة جامعتي في مدينة الإعلام بمانشستر طوال الأسبوعين الماضيين؛ للانتهاء من متطلب دراسي. كانت المكتبة خالية إلا من اثنين أنا ورجل يبدو في العقد السادس من عمره. كنا نجلس أمام بعضنا البعض نحو سبع ساعات يوميا دون أن ينبس أحدنا ببنت شفة. فكرت أن اقرأ عليه السلام في أحد الأيام. لكن خشيتُ أن أقطع حبل أفكاره، لاسيما وأنني ألمس حجم انشغاله وجديته. فهو لا يلتفت يمينا أو شمالا. جل تركيزه على الشاشة، التي أمامه. في أحد الأيام جلس بجوارنا طالبان وكانا يتحدثان بصوت عالٍ مع بعضهما، نهرهما الستيني على الفور وطلب منهما أن يخفضا صوتهما أو سيبلغ رجال الأمن في الجامعة. لم تمض لحظات إلا وغادرا الشابان المكتبة، وربما الجامعة برمتهما. هذا الموقف دعاني إلى قمع أي مبادرة مقبلة نحو فتح أي موضوع معه أو إلقاء السلام عليه رغم أن فضولي يأكلني؛ لأعرف ماذا يدرس؟ مرت أياما طويلة علينا ونحن كأبكمين لا نتكلم. في لحظة تاريخية، رن هاتفه الجوال والتفت عليّ قائلا: “هل تسمح لي بالإجابة على الهاتف”. فأجبته مبتسما: “لا توجد أي مشكلة على الإطلاق. تفضل”. تحدث طويلا مع زوجته وابنته. وفهمت من كلامه أنه شارف على الانتهاء من البحث الذي يقوم به ويشتمل على 5 آلاف كلمة. أغلق السماعة وعدنا لدوامة الصمت. في اليوم التالي، جاء إلى المكتبة بعدي. ألقى عليّ تحية صباحية بعد أن وضع جهازه على الطاولة، ثم بادرني بسؤال: “ماذا تدرس، يبدو أن لديك واجب دراسي تعمل على الانتهاء منه؟”. أجبته باقتضاب، رغم أنه كان  بودي أن استرسل وأسهب. لكن كلما تذكرت لهجته عندما خاطب الطالبين المزعجين قاومت شهوة الكلام، التي تغويني. عندما فرغت من إجابتي القصيرة، وقبل أن أقوم بالاستفسار عن تخصصه تدفق بغزارة. أخبرني أنه يدرس الماجستير في تصوير الحيوانات في البرية. ويقوم حاليا بكتابة بحث عن تصوير الحيوانات في بيئتهم دون تعريضهم للأذى، أو تغيير نمط حياتهم. فهو يناقش في بحثه بعض الأفلام التي انتهكت حقوق الحيوان واستفزتهم في سبيل لقطات مثيرة. كما دعاني لحضور الفيلم، الذي قام بتصويره مع زميليه في إحدى غابات أفريقيا وسيعرضه في مارس المقبل، في صالة العرض الرئيسة بالجامعة. توقعت بعد هذا الحديث الطويل أن علاقتنا ستأخذ منحى تصاعديا. لكن باءت توقعاتي بالفشل. لقد عادت وتيرة علاقتنا إلى الصفر. في اليوم التالي صافحته بتحية فور وصولي إلى المكتبة، بيد أنه لم يعبأ بها، أو ربما لم يسمعها. لم يرد.  لم أكترث أنا الآخر. انشغلت ببحثي. في المساء، فجأة وبلا مقدمات ونحن في المكتبة قفز من كرسيه. قال بصوت يمتلئ سعادة: “انتهيت…انتهيت”. قال وهو يوجه حديثه لي: “الآن سأحتفل”. لم ينتظر إجابة مني أو تهنئة. قطف جواله من الطاولة وقام بالاتصال على ابنته. قال لها بصوت يشبه الصراخ: “انتهيت يا ابنتي. أخيرا انتهيت. حبيبتي سأعود إليكِ وأمكِ غدا. لم يتبق سوى مراجعة البحث وإرساله لأستاذ المادة. لم أكن أصدق أنني سأنتهي. أحبك، أحبك”. وأخذ يغني على مسامعها عدة أغان بلا انقطاع. ثم قَبّلَ السماعة غير مرة. وودعها قائلا: “أحبك”. وطلب منها أن يتحدث مع أمها وقال لزوجته: “انتهيت يا حبيبتي. سأعود لكما غدا. أحبك”. أغلق السماعة والتفت نحوي مبتسما. دعا لي بالتوفيق في واجبي. وقال لي: “تعبت جدا. أسكن في فندق قريب من الجامعة منذ أسبوعين بعيدا عن أسرتي، التي تعيش في نيوكاسل. مشتاق لزوجتي وابنتي (13 عاما). إلى اللقاء”.

خرج جاري السابق من المكتبة. لكن لم يخرج من حياتي. تعلمتُ منه أن الاحتفال بالانجازات، ولو صغيرة لا يجب أن يكون ماديا بل معنويا. الاحتفال لا يعني رحلة سفر أو هدية.  لقد خنقتني العبرة عندما سمعته يهتف لابنته:أحبك…أحبك. فكيف كانت مشاعرها هي وأمها عندما سمعاها منه؟ إن أطفالنا لا يحتاجون إلى مالنا وهدايانا فحسب، بل إلى كلماتنا أيضا. الكلمات تهز القلوب طربا وفرحا. لمَ لا نختتم أحاديثنا الهاتفية مع زوجاتنا وأطفالنا بـ أحبك. هذه المفردة السحرية. إن الأطفال لا يرثون ممتلكاتنا، وإنما كلماتنا أيضاً.

علينا أن نتدرب أن نقفز كلما حققا نصرا ولو صغيرا. من لا يتعلم يقفز صغيرا، لن يقفز كبيرا. يقول لاعب الجمباز الصيني، لي شياو، الذي حصل على ميداليتين أولمبيتين: “أبي كان يدربني على القفز منذ أن كان عمري 3 سنوات. النهايات الجميلة تحتاج إلى تدريب طويل ومبكر”.

عبدالله المغلوث

 

المصدر 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: