الخيال العلمي وصناعة المستقبل


الخيال العلمي وصناعة المستقبل



   يمتاز القرن العشرين عما سبقه من قرون بأنه الوحيد الذي شهد متغيرات عالمية على أصعدة عديدة ولا سيما في ثلثه الأخير حيث بدأت ثورة المعلوماتية بالتنامي وبدأ معها سباق الدولِ وسعيها للدخولِ في عالمِ تكنولوجيا الحوسبة والأتمتة والمعلوماتية .
     
صحيحٌ أنَّ حضاراتٍ كثيرةً شهدتها قرونٌ متعددةٌ عبر عصور الزمنِ صنعها الإنسانُ مخلداً إياها فخلدتهُ ، وأنَّ الآثارَ لا تزالُ قائمة تدلُّ على مدى قدرة العقل البشري على إيجادِ أدواتهِ في مسيرةِ حياته وفي سعيهِ الحثيث في التطوير والتحديث ، إلا أن حضارةَ القرن العشرين تختلف عن سابقاتها كلَّ الاختلافِ ولا شكَ أن أيَّةَ حضارة ما كانت لتكون لولا العقل البشري الذي أوجدها فكيف تسنى لهذا العقل أن يصل إلى ما وصل إليه .



https://i1.wp.com/www.annabaa.org/nbanews/68/images/306.jpg 
  
إننا ندرك العالمَ الخارجي بواسطة حواسنا ، يقوم العقل بتحليل هذه المدركات وفرزها وتصنيفها وتخزينها واستعادتها حين الطلب ، تماماً كما يفعل الحاسوب اليوم إلا أن ما يمتاز به العقل البشري ـ وأنا هنا لست في مجال المقارنة ـ مقدرته على التخيل والتصور ومن ثم الاختراع والابتكار من أجل الانتقال نحو الأفضل والارتقاء ، والإنسان بطبعه يميل نحو التطوير والتحديث والتغيير من الحسن إلى الأحسن ، وهو في حالة استخدام دائم لعقله معتمداً عليه في تخيله حتى ليمكننا القول : إن جميع المخترعات بدءً من عصا موسى عليه السلام ، التي استخدمها أداةً ليتوكأ عليها  وليهش بها على غنمه  وكان له فيها مآرب أخرى ،  مروراً بكل ما نراه حولنا من وسائل وأدواتٍ وجدت من أجل تحقيق قدر من الرفاهية والراحة للإنسان وصولاً إلى ما لم يتم اختراعه بعد وما ندري ماذا يخبئ لنا المستقبل أقول : إن هذا ليس إلا فعل عملية واحدة من عمليات العقل ، أو لنقل من عمليات الدماغ إنها عملية التخيل ، طبعاً ليس كل تخيل للعقل إنما يعني تصور حالة معينة في المستقبل فالتخيل هو عملية استحضار لصورٍ موجودةٍ وإن لم تكن موجودة فالعقل قادر على إيجادها وإعادة تشكيلها بالطريقة التي يبني عليها العقل فرضياته .

https://i0.wp.com/www.techdigest.tv/deus-ex-machine.JPG

 
  ويجب أن نؤكد أن ليس كل عملية تخيل هي حالة تمهيد لاختراع جديد فقد يكون التخيل لهدف تحقيق حالة انسجام مع الذات ، ويهمنا هنا التحدث عن التخيل الذي يرمي إلى إيجاد شيء يمكن إيجاده وأعني هنا بالتخيل الخيال العلمي أما إن كان ضرباً من المستحيل فإنما يدخل في إطار الأحلام .
ويمكن أن نحدد مفهومين للخيال العلمي :
أحدهما : الخيال العلمي كفنٍ من فنون الكتابة وهو فنٌ قصصيٌّ أو روائيٌّ حديث العهد بشرت به  تلك الثورة الهائلة في مجال التقدم العلمي والتقانةِ ونحن لا ننكر أن الكثير من الاكتشافات العلمية ذكرت بشكل أو بآخر في كتب الروائيين الذين كتبوا في الخيال العلمي ولا بأس أن نذكر بعضاً منهم فقد عرف أدب الخيال العلمي أسماء أدباء وسينمائيين ومفكرين عديدين من أمثال : آلدوس هاكسلي ، وهربرت جورج ويلز ، و جيروم كلايتون جلين , وعظيموف ، وماريون زيمريرادلي ، ونهاد الشريف الذي يعد أحد أكبر أدباء الخيال العلمي العرب والدكتور طالب عمران الكاتب الروائي السوري المعروف(1) ولا عجب أن تكون كتابات هؤلاء وغيرهم قد أثرت ولو بجزء يسير في الثورة الصناعية . ومن المهتمين بالخيال العلمي نذكر المذيع موفق الخاني  معد برنامج من الألف إلى الياء في التلفزيون السوري والمهندس وفايز فوق العادة عضو الجمعية السورية الكونية .
    نحن نتفق أنَّ أدب الخيال العلمي هو تخيَّلٌ لأديب روائيٍ متابعٍ للإنجازات العلمية وهو يتوق إلى البحث والمغامرة المعرفية والسباحةِ في الخيال إنه يجوب الفضاء وأعماق الكون ويقرأ عصر الحضارة بطريقته العلمية وبشكلٍ مختلفٍ عن كُتّاب قصص الخُرافةِ والأبطال الخارقين ومغامراتهم في عالمٍ سُفليٍّ أو عام الجانِ .
وبالمناسبة هناك فكرة رائعة للدكتور طالب عمران  تقضي بنشر الخيال العلمي وتشجيعه وذلك بأن يكون هناك مؤتمر دولي يعقد في دولتين بآن معاً ويتكرر في كل عام بدولتين جديدتين
APIRequest.track(“media_detail_views”);

MenuController.getInstance().bindHandlers($(‘zoomedInMenu’),{“zoomedInMenu”:{“on”:”#F7F7F7″,”off”:”#BDBDBD”,”link”:”#000000″,”border”:”#000000″},”btn_decorateimage_menu_in”:{“on”:”#E3E4E6″,”off”:”#F7F7F7″,”link”:”#000000″,”border”:”#000000″},”btn_share”:{“on”:”#E3E4E6″,”off”:”#F7F7F7″,”link”:”#000000″,”border”:”#000000″}}); FullViewMenuController.getInstance().bindHandlers($(‘zoomedInMenu’),’in’); 

وكي لا أطيل أبدأ بالمفهوم الثاني للخيال العلمي لأقول :
   إنه خيال العالم والباحث الذي يبدأ حلماً ولا يلبث أن يصبح حقيقةً بفضل البحث العلمي وما ينطوي تحته من ملاحظةٍ أو تجربةٍ أو تكرارٍ لظاهرةٍ ما .
   حَلُمَ الإنسان بالطيران كما تفعل الطيور ثم حقق ذلك بأن طار دون أن يعاني من تعب تحريكِ أطرافه بمعنى أنه حلم أن يتحول إلى طائر وبفضل خياله العلمي وتخيله طار وهو مسترخٍ في جوف طائرٍ معدنيٍّ عملاقٍ ، وعندما نظر إلى القمر داعبه حلم استكشافه والهبوط على سطحه ، ثم انتقل من حيز الحلم إلى حيز الخيال العلمي ، وقد تحقق هذا الخيال عام 1961  (2)،  وحقيقةً إذا تأملنا أيّاً من المخترعات الحديثة سنكتشف أنها مرت بمراحل عديدة حتى وصلت إلى ما عليه الآن من حيث الشكل والمضمون … وأبسط مثال : صناعة الزجاج ، إن الأشكال الملونة والجميلة التي نراها لم تبدأ هكذا بل مرت بمراحل عديدة … وينسحب هذا على الشعر بمختلف أغراضه والأدب بمجمل أنواعه ، فلا شك أن القصيدة الجاهلية أو لنقل المعلقة لم تنضج في ذهن الشاعر بيوم وليلة ، وربما مر عليها عقود تتناقل من جيل لآخر ، ولا أعني بالطبع القصيدة بحد ذاتها  وإنما أولية الشعر وتطوره ، فقد قطع شوطا طويلاً إلى أن  نضج لدى شعراء العصر الجاهلي.
   بالتأكيد ليس كل خيالٍ علميٍّ يعني الشيء الممكن تحقيقه في المستقبل وإذا جاز لنا أن نقول أن هناك علماً يدعى علم المستقبل فإنما هو تخطيط لممكنٍ ، وهذا التخطيط مؤسسٌ على إنجازات واقع مدروس ، الاحتمالات فيه تكاد تصل حد اليقين بفضل ما تحقق من إنجازات التقدم العلمي .
  وعندما يتحد المفهومان أي الخيال العلمي لدى الكُتّاب وخيال العلماء فإن هذا سيؤدي إلى تحقيق رؤيةٍ علميةٍ لمستقبلٍ آتٍ وإذا كان لكل صناعةٍ موادها الخام الأولية فإن لصناعة المستقبل أيضاً موادها الخام ، تلك المواد مستقاة من تجارب الماضي ووعي الحاضر وفهمه وعلى هذا الأساس تتم صناعة المستقبل في أذهان علماءَ نجحوا في استخدام مراحل الزمن فاستفادوا من الماضي وتجارب وخبرات السالفين ، كما استفادوا من الحاضر وما بين أيديهم من مادة ملموسة  ، ومن ثم تركوا لخيالهم المجال مفتوحاً لاستشراف المستقبل .
لا ريب أن العالم – في بحوثه النظرية أو المعملية وفي خضم ملاحظاته وتجاربه واستنتاجاته –  يسبقه خياله وما امتلك في عقله من ثقافة علمية , وبذا يكون خياله هنا خيالا علميا وإن لم يصغه في نسيج روائي، وهنا يجب الانتباه إلى أن عبارة ” الخيال العلمي ” لا تعني بالضرورة  القصص والروايات المبنية على التخيل المستقبلي ، وما أريده من تلك العبارة شموليتها ، وعندما أمارس الخيال العلمي إنما أعيش في مستقبل لم يأت بعد وأترك خيالي يسرح في المعقول الممكن ، بعيداً عن أحلام اليقظة ، مستخدماً أدواتي الخاصة .
   وإذا تفلسفنا قليلاً نقول : إن حاضرنا هذا الذي نعيشه ما هو إلا مستقبل حلم به أسلاف لنا وأطلقوا حينها لخيالهم العنان سهروا واجتهدوا ليقدموا لنا على طبق من فضة عصارة خيالهم ، وربما كانوا صنعوه معتمدين على أسلافٍ لهم لنعيشه في حاضرنا فإذا هو يصبح من الماضي بالنسبة لمن سيأتون بعدنا لكننا أعددنا لهم مستقبلاً صنعناه بأدوات ورثناها وطورناها وأضفنا عليها من مخزون مكتسباتنا ولم نلبث أن أعلنا ولادة مستقبل قد نحياه ، وهنا أعلن ولادة مصطلح جديد في عالمنا إنه ” صناعة المستقبل” … وسوف أحاول أن أضع له تعريفاً شاملاً ومختصراً فأقول : هو توظيف العقل في السعي لتحقيق غايات واقعية ممكنة  .
  عندما نذكر مصطلح ” صناعة المستقبل ” ونحن نتحدث عن الجانب التربوي فإن الأفكار تتوجه نحو بناء الجيل وتأهيله ليكون في المستقبل قادراً على تحمل أعباء المسؤولية ، وعندما نأخذ الجانب العلمي والتقني في حديثنا فإن ما نريده بمصطلح صناعة المستقبل توفير الأدوات والوسائل التي من شأنها أن تمكن الإنسان من تحقيق بعض السيادة على الطبيعة والرفاهية والأمن ، في الجانب السياسي والعسكري فإن مصطلح صناعة المستقيل لا يقف عند حدود معينة وتدخل فيه مفاهيم كثيرة مثل ثقافة الحرب – ثقافة المقاومة – الإرهاب – الهدنة – السلام – الهيمنة– النفوذ – الاحتلال – الاتفاقيات الدولية – البروتوكولات – المعاهدات  … الخ .
 ولك مع مصطلح صناعة المستقبل أن تتخيل الكثير من المفاهيم التي تأتي من جوانب عديدة وقد لا نستطيع أن نفصل بعضها عن بعض آخر نظراً لتداخلها ومن تلك الجوانب على سبيل المثال : ( الجانب الثقافي- الأدبي – المعلوماتي – الاجتماعي – الأخلاقي – الفلسفي – الروحي  ….. الخ …).
 وكي نوضح علاقة الخيال العلمي بصناعة المستقبل علينا الإشارة إلى أن كل ما حولنا من مخترعات كانت في زمن مضى خيالاً علمياً ، وإذا أردنا الخوض في بعض ما توصل إليه العلم من مخترعات ، فإن ذلك يحتاج إلى عشرات الصفحات وربما مئات منها ، بل يكفي أن نذكر اختراعاً واحداً هو الحاسوب لنجزم بأن المكتبات تزخر بعشرات المؤلفات حول هذا الجهاز الإلكتروني المتعدد الوظائف والذي يعد البطل الثوري الذي أطلق شرارة ثورة المعلوماتية  في العالم…. فماذا عن الشبكة العنكبوتية ” الإنترنت ” والتي تعد بنكاً عملاقاً للمعلومات … وعما يوفره الاتصال بإنترنت من خدمات ومزايا كانت إلى الأمس القريب ضرباً من الخيال بل من الأحلام …..؟
 ويلح في ذهني سؤال : هل المعلوماتية آخر المطاف بالنسبة للعقل البشري وطموحاته ، ماذا يمكن أن نتخيل فيما بعد المعلوماتية …؟ هل يصل الأمر بنا إلى اختراع آلة تفرح وتغضب ، تحب وتكره …؟ وهل سيدخل في تركيب هذه الآلة بعضاً من أنسجة أو خلاية بشرية …؟ وعلى عكس ذلك هل سيحل بدل بعض الأعضاء  في  الكائن البشري أعضاء آلية …. ؟
  في الحقيقة أنه تم التوصل إلى الفكرة الأخيرة فهناك أطراف اصطناعية تقوم ببعض وظائف الأطراف الحقيقية ، وكلنا سمع عن القلب الاصطناعي وعن منظم ضربات أو خفقان القلب وحالياً هناك جهود علمية لإعادة حاسة البصر لأشخاص حرموا من هذه النعمة وذلك عن طريق تركيب عين اصطناعية أشبه بآلة التصوير تقوم بنقل المدركات إلى العصب البصري والذي يقوم بدوره بنقلها إلى الدماغ الذي سيقوم بتحليل هذه المدركات وتصورها …
وعلى هذا هناك حالة دمج ، دمج الإنسان بالآلة ودمج الآلة بالإنسان ، إلا أن هذا الدمج يقف عند حدود ضيقة  في الواقع ويتعدى تلك الحدود في الخيال العلمي ليصل إلى مصطلح ما يسمى بـ ” التقانة الواعية “.
  يرى الكاتب الروائي جيروم أن البشر سيندمجون مع التقانة, وأن التقانة ستندمج مع الوعي، وسيصبح بإمكان التقانة أن تحاكي خصائص المعرفة عند البشر، وسوف تجري صناعة أدوات وأجهزة متناهية في الصغر نستخدمها ملحقات لأجسام البشر سواء لاستبدال أعضاء أو لمضاعفة القدرات،وهكذا تختفي تدريجيا مظاهر التمايز والاختلاف بين البشر والآلات، وتظهر التقانة الواعية ويبدأ معها عصر حضارة التقانة الواعية أو عصر ما بعد المعلوماتية، أو لنقل عصر ولادة الإنسان التقاني (الإنسقاني) حيث تتحد التقانة مع جسم الإنسان لأداء الوظائف الحيوية.
وقد يؤدي الوصول إلى التقانة الواعية أن يكون الإنسقاني  ذا قدرات خارقة،
إنه الإنسان الآلة وقد وسعت قدراته المعرفية والفكرية أطراف الكون, يعيش شبكة كونية يتفاعل ويتواصل معها .
https://i1.wp.com/static.howstuffworks.com/gif/dna-2.jpg
 ويرى مفكر آخر هو تيموثي ليري أن التاريخ في جوهره هو حوار بين الجهاز العصبي المركزي وبين الدنا DNA، وبالتالي يمكن برمجة المخ كما يتم برمجة الحاسوب ،  ذلك بفضل إنجازات الهندسة الوراثية ، ويؤكد أن الدنا DNA تصنعنا تاريخيا, ولكننا نتقدم باطراد من أجل إعادة صنع وصوغ  DNA  تماما مثلما نصنع الكمبيوتر والروبوت وإذا بهما يعيدان صنعنا, أي تنقلنا التقانة إلى حياة جديدة الصياغة والقدرات والآفاق.
  أخيراً: بقي أن نذكر أن الخيال العلمي لن يقف عند حدود معينة فلطالما أن هناك دماغ في جمجمة كائن بشري يدعى ( الإنسان ) فإن هذا الدماغ سيبقى في حالة تخيل ، هذا التخيل هو نواة صناعة المستقبل

2 تعليقان

  1. شكرا اخي على المعلومات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: