مصر المبتسرة! بقلم أ. ابراهيم عيسى

 
مصر المبتسرة! بقلم أ. ابراهيم عيسى
 
تم نقل مقال الصحفى أ. إبراهيم عيسى من جريدته (جريدة الدستور)


مكن غسيل الكلي ومكن حضانات الأطفال المبتسرين حديثي الولادة، هما أكثر مكن أو أجهزة انتشرت في مصر خلال حكم الرئيس مبارك، طبعا ممكن تقول إن معني هذا هو التقدم التكنولوجي الذي شهدته مصر في عهد الرئيس، لكن الحقيقة أن لهذا معني آخر كبيراً وخطيراً عندي وهو التدهور الصحي الهائل الذي شهدته مصر في عهد الرئيس، لم نكن قبل الرئيس نحتاج هذين النوعين من الأجهزة الطبية لا بالطريقة ولا بالكثافة ولا بالضرورة ولا بالنسبة التي نحتاجها الآن، فالمعروف (اللي مش عارف يعرف) أن مرض الفشل الكلوي الذي يحتاج المريض فيه لغسيل الكلي مرتين وثلاثة أسبوعياً لم يكن منتشراً علي الإطلاق بهذه الطريقة الفادحة في مصر الآن، والذي تتعامل وزارة الصحة مع عدد مرضاه باعتباره سراً حربيا،ً لكن هناك من يرجح نسبة مرضاه بين 9 و12مليوناً، وهناك من يهبط بالعدد من مليونين إلي خمسة، وفي كل الأحوال هو عدد مفجع ورهيب ولم تعرف مصر مرضاً يمكن اعتباره وباء مصر الحديثة مثل الفشل الكلوي، وطبعاً فإن تلوث مياه الشرب هو المتهم رقم واحد في انتشار هذا المرض. أما وجود الحضانات فهي مسألة تثير الذهول كذلك، إذ إن الحضانات استخدمت للمرة الأولي في مصر عام 1995 وكان عددها 300 فقط واستقبلت 11 ألفاً و27 طفلاً، في حين استقبلت الحضانات في عام 2006 نحو 78 ألفاً و37 طفلاً (مصدر الأرقام كلها هي بيانات وزارة الصحة وتحديداً من الإدارة المركزية للأمومة والطفولة بالوزارة).. المهم أن الواحد فينا كان يتصور أن حكاية موت الأطفال الرضع أو وفاة الأم أثناء الولادة حكاية تنتمي إلي زمن مضي وتاريخ غابر، لكن المحزن المؤلم أنه لايزال معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة عالياً، حتي إنه يصل إلي ثلاثين طفلاً لكل ألف مولود جديد، بينما معدل وفيات الأمهات أثناء الولادة 55 لكل 100 ألف (المصدر اليونسيف ) وهي أرقام رغم انخفاضها عن سنين مضت لكن من المفترض أن يشعر معها أي نظام حكم بالخجل من نفسه مع كل هذا التطور الذي شهده الطب في العالم، وأنقل عن تقرير لليونسيف بالنص (ومن الغالب الأرجح بشدة أن يتعرض الطفل المصري، بين مرحلة الرضاعة وسن الخامسة للإصابة بأحد الأمراض المسببة للإسهال أو بعدوي الجهاز التنفسي. وهذان التهديدان وحدهما مسئولان عن نحو 45 في المائة من حالات الوفيات بين الأطفال الصغار) ..الإسهال يعني معدة تأكل أو تتغذي علي تلوث، ومشكلة في الجهاز التنفسي تعني تلوثاً وسحابة سوداء وهواء مدخناً.. يبدو إذن المجتمع المصري الآن غير قادر علي العيش دون حضانات لأطفاله حديثي الولادة نتيجة مشاكل في التنفس للأطفال والعيوب الخلقية التي زاد انتشارها بين الأطفال المولودين حديثاً، ورغم كل الثرثرة السخيفة عن أن المصريين بيزربوا كتير أو أنهم لا ينظمون الأسرة، فالعقم في بلدنا كاسح ساحق مما يؤدي إلي عمليات التلقيح الصناعي أو استخدام العقاقير المساعدة علي الإخصاب الذي يرفع من نسبة احتياج الأطفال إلي حضانات بعد ولادتهم ، وربنا ما يوريك تلك اللحظات التي يبحث فيها الأب ملهوفاً ومتوتراً ومفزوعاً ومتألماً وذَهُولاً عن حضانة لطفله المولود منذ ساعات أو أيام وتحفي قدماه في البلد كله حتي يتمكن من وضعه في أي حضانة وبأي ثمن ولا يجد، فعدد الحضانات الموجودة في جميع المستشفيات المصرية وتشمل العامة والجامعية والخاصة نحو 4500 حضانة.

بينما عدد الأطفال المبتسرين اللازم وضعهم في الحضانات يصل إلي 190 ألف طفل سنويا وتكلفة الإقامة في حضانات القطاع الخاص تتراوح مابين 400 و1000 جنيه لليوم الواحد، وبالمناسبة فإن معدل الوفيات للأطفال داخل الحضانات يتراوح ما بين 9.5و 10% من إجمالي الأطفال الذين يخضعون للعلاج بالحضانات، ثم إن مصر تستورد الحضانات من ألمانيا والبرازيل والصين، والسؤال الآن: لماذا لا تصنع مصر حضانات طالما هي بلد مستهلك لها ومحتاج إليها وفي عرضها بهذا الشكل؟!

الإجابة هي محض سؤال آخر: ولماذا لا تصنع مصر أجهزة غسيل كلوي طالما أنها تحتاج إليها بهذه الأهمية وبتلك الخطورة؟!

طبعاً ممكن تقول لي: وهيه مصر بتصنع إيه أساساً كي تصنع لشعبها هذه الاحتياجات الأساسية والرئيسية؟ فأجيبك: عندك حق فنحن لانزرع قمحنا ولا نصنع سلاحنا ولا نصنع ماكينة غسيل الكلي ولا الحضانات، نحن مشغولون بصناعة النفاق والاستبداد والفساد للسياسيين المبتسرين في مصر!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: