كفاحـى لهتلــر

كفاحـى لهتلــر
 https://i0.wp.com/www.7ssry.com/main/images/products/843250.jpg
آدولف هتلر
(1889 – 1945)

تمهيد :

قد يكون آدولف هتلر اهم الشخصيات السياسية في القرن العشرين .. ومن المعروفان وجود صورته على ظهر كتاب يزيد مبيعاته بنسسبة 20% . وقد وُلد كما يقص في مذكراتهلاسرة متواضعة ، وعاش جل اعوام طفولته وشبابه الاول خارج المانيا. ثم عاد لوطنهالام وساهم في تاسيس الحزب النازي. وخلال عشرة اعوام ، بات قائداً للامةالالمانية.
في كفاحي، يقص هتلر حكاية صراعه في سبيل الوصول للفلسفة التي يؤمنبها اولاً ، ثم الكفاح في سبيل تحقيق ما يعتبره طموحات الشعب الالماني. نختار اولاًوصف هتلر لطفولته الباكرة وحياته الاسرية الباكرة ثم معاناته من الفقر المدقع فيفيينا ، وصولاً الى آرائه التي لم يغيرها ابداً بشأن القضية اليهودية .

كفاحي

الفصل الاول : طفولتي

يبدو وكأنالقدر تعمد اختيار براوناو موقعاً لاولد فيه : فتلك المدينة الصغيرة تقع على الحدودبين دولتين سعينا نحن الجيل الجديد لتوحيدهما بكل ما لدينا من قوة.
فلابد منعودة المانيا النمساوية للوطن الام ، وليس بسبب أي دوافع اقتصادية. بل وحتى ان الحقالاتحاد اضراراً اقتصادية، فلابد منه. دمائنا تطلب وطناً واحداً ، ولن تستطيع الامةالالمانية امتلاك الحق الاخلاقي لتحقيق سياسة استعمارية حتى تجمع اطفالها في وطنواحد. وفقط حين تشمل حدودنا آخر الماني، ولا نستطيع تامين رزقه، سنمتلك الحقالاخلاقي في احتلال اراض اخرى بسبب معاناة شعبنا. سيصير السيف اداة الحرث ، ومندموع الحرب سينبت الخبز للاجيال القادمة. وهكذا يبدو لي ان هذه القرية الصغيرة كانترمزاً للمسؤلية الغالية التي انيطت بي ، ولكن هنالك صورة بائسة اخرى تذكرنا تلكالمدينة بها. فقبل مائة عام، كانت مسرحاً لكارثة ماساوية ستخلد في صفحات التاريخالالماني. فحين انحطت الاوضاع الى اسوء حال ممكن تحت وطئة الاحتلال الفرنسي، استشهدجوهانا، بائع الكتب، في سبيل الوطن الذي احبه. وقد رفض التخلي عن شركائه وشجب الذينكانوا افضل منه في قدراتهم. وقد ابلغ احد ضباط الشرطة الالمان عنه الفرنسيين ، وبقىالعار ملحقاً باسمه حتى الساعة.

في هذه المدينة الصغيرة، المضيئة ببريقالشهادة في سبيل الوطن، والتي حكمتها النمسا وان كان دم شعبها المانياً ، عاش والديفي آواخر الثمانينات من القرن الماضي: وبينما كان والدي موضفاً حكومياً، رعت اميافراد الاسرة. ولم بيق حالياً في ذاكرتي سوى القليل عن هذا المكان لاننا سرعان مارحلنا منه لبلدة باسو في المانيا.
وخلال تلك الايام كان التنقل مصيراً محتوماًعلى الموظف. وهكذا انتقل والدي مرة ثالثة الى لينز، وهناك اخيراً تمت احالته علىالتعاقد. ولكن ذلك لم يعن له الراحة ابداً. فمنذ طفولته كان لا يطيق البقاء فيالمنزل بلا عمل، وهرب في سن الثالثة عشر الى فيينا وتعلم حرفة وحصل على التجربةوالنجاح قبل سن السابعة عشر، ولكنه ما قنع بكل هذا ، بل ان معاناة الاعوام الاولىدفعت للسعي وراء مستقبل افضل . وهكذا بحث على وظيفة حكومية، وبعد عشرين عاماً منالصراع الدؤوب ، عثر عليها. وهكذا حقق قسمه القديم ، وهو الا يعود لقريتة الصغيرةالا بعد ان يكون قد كون نفسه.
حقق الرجل حلمه ، ولكن لا احد في القرية تذكرالطفل الذي هاجر ، بل وبدت له قريته غريبة تماماً ، وكانه يراها لاول مرة. واخيراً،وفي سن السادسة والخسين، بعد تقاعده، ما استطاع احتمال الفراغ، فاقتنى مزرعة وعملفي زراعتها كما فعل اجداده من قبل.
وخلال تلك الفترة تكونت داخلي بوادر الشخصيةالاولية. اللعب في الحقول، المشي الى المدرسة، وخصوصاً الاختلاط مع اصدقائيالعنيفين الذي اقلقت علاقاتي معهم والدتي، كل هذه جعلتني من النوع النشط الذي لايرتاح للبقاء في المنزل. وبالرغم من عدم تفكري بالحرفة المستقبلية، ما كانت عواطفيابداً تتجه نحو المسير الذي اتخذه والدي لنفسة. اؤمن باني حتى آنذاك تمتعت بقدراتبلاغية مميزة ظهرت في شكل حوارات عنيفة مع زملاء الدراسة. بل وبت زعيماً لمجموعة: ونجحت في المدرسة بالفعل ، ولكني كنت شديد المراس. اشتركت في النشاطات الكنائسية ،واسكرتني عظمة هذه المؤسسة العريقة. وبدا لي القس مثالاً لما ينبغي ان اكونه، كمابدا لوالدي من قبل. ولكن الاخير فشل في التعامل مع قدرات ابنه البلاغية وما استطاعتصور مستقبل ممكن له، بل واقلقه هذا الوضع كثيراً.
هذا الحلم الكنائسي تخلى عنيسريعاً ، بعد ان عثرت على بعض الكتب العسكرية التي وصفت العارك بين فرنسا والمانياعام 1870 – 71. عشقت هذه النصوص ، وصارت الصرعات البطولية النشاط الفكري والخياليالاساسي لكياني. ومنذ ذلك الوقت صرت اعشق كل ما له علاقة بالجنود. ولكن الاسئلةالصعبة بدأت تفرض نفسها على فكري : هنل هناك فوارق – بين الالمان الذين خاضوا تلكالمعارك والاخرين؟ ولماذا لم تشترك النمسا فيها؟ ولماذا لم يطلب من والدي الاشتراك؟الا ننتمي جميعاً لذات الوطن؟ الا ننتمي سوية؟ بدأت هذه التساؤلات تشغل بالي لاولمرة. طرحت الاسئلة واجابوني بحذر قائلين ان الالمان غير المحظوظين لا ينتمون لذاتالدولة التي اسسها بسمارك ، وكان هذا الوضع عسيراً على الفهم ، ثم قالوا لي انالاوان قد حان للذهاب للمدرسة الثانوية.
اكد والدي انه يرغب في ان اذهب لمدرسةخاصة لاعداد الموظفين. فهو – بسبب تجاربه الحياتية – ما راى طائلاً وراء المدارسالعادية. كانت رغبته هي ان اصير موظفاً حكومياً مثله ، بل وافضل لانني كنت ساتعلممن اخطائه واستفيد من تجاربه ، لانه تصور استحالة ان ارفض السير على دربه، كانقراره واضحاً ، مؤكداً. معاناة عمر طويل ومشاق الحياة وهبته طبيعة متعسفة. وبدا لهمن المستحيل ان يترك الامر لابنه غير المجرب ، الغير قادر على احتمال المسئوليات. بل وتصور انه سيكون مذنباً ان لم يستخدم سلطته لتحديد مستقبله، وراى ان هذه مسؤوليةتحتمها عليه الوظيفة الابوية.
ومع ذلك سارت الامور بطريقة مغايرة: فقد رفضتالفكرة بشكل قاطع، وما كان عمري اكثر من احدى عشر سنة. ولم ينجح الترغيب او الترهيبكليهما في تغيير رايي. وكل مساعي والدي الذي قص علي قصصاً عن تجاربه في العمل ،راجياً ان اقنع به واحبه، ادت لنتائج عكسية. تثائبت واهناً اذ تصورت انني ساقضيالعمر امام مكتب ، بدون ان يكون وقتي ملكاً لي، قاضياً حياتي في تحويل الدنيا الىفراغات يقوم احدهم بملأها في صورة طلب او وظيفة. واي افكار كان يمكن لمشهد كهذا انيخلقه في نفس طفل طبيعي؟ الوظائف المدرسية كانت سهلة ، وامتلكت الوقت الحر لدرجة انالشمس عرفتني اكثر من حيطان حجرتي. وحين يبحث اعدائي السياسيين في الماضي البعيد،ويعثرون على ما يؤكد ان هتلر كان طفلاً شقياً ، اشكر الله على انهم قد اعادوا لفكريذكريات بعض تلك الايام السعيدة. الغابات والحقول باتوا حلبات الصراع التي قضيت فيهاحياتي ، والمدرسة الجديدة لم تغير هذا الوضع ، وطالما كانت معارضتي الاساسية لفكرةوالدي نظرية ، استطعنا التعايش سوياً. فقد احتفظت بارآئي الخاصة، وما خالفته بصوتمرتفع. ولكن – وفي سن الثانية عشر – بدأت اطمع في ان اصير رساماً. ومع ان والدي كانيشجع هذه الهواية، الا انه لم يتصور ابداً ان اسير في هذاالاتجاه.

-“رسام”؟

تشكك حتى في عقلي ، وربما تصور انه لم يفهم مااعنيه. ولكن بعد ان فهم ، عارض الفكرة بكل ما في طبيعته من عناد. “رسام! فقط بعدموتي.” ولكنة اكتشف ان ابنه قد ورث منه ذات العناد. وهكذا بقي الحال زمناً طويلاً . وما كانت النتائج طيبة. فقد اصابت المرارة نفس الرجل الكبير، وما كان باستطاعتيالرضوخ له. وهكذا حين اكد استحالة دراستي للفن، قررت ايقاف الدراسة بشكل عملي،متصوراً انه حين سيرى فشلي الدراسي ، سيسمح لي بالسير في الاتجاه الذي اختاره. كانتنتائجي المدرسية آنذاك غير طبيعية: فكل ما له علاقة بالرسم جلبت فيه افضل النتائج،وفي الباقي اسوءها. ولكن انجازاتي كانت مميزة في حقلي الجغرافيا والتاريخالالمانيين، لانني عشقت هاتين المادتين وكنت افضل التلاميذ فيهما ، وحين اتطلع لتلكالمرحلة الان، بعد مرور السنوات الكثيرة، الاحظ حقيقتين هامتين: فاولاً ، صرتقومياً، وثانياً ، تعلمت معنى التأريخ. ففي دولة متعددة الاجناس كالنمسا ، كان منالصعب جداً ان يعرف الرء معنى الانتماء لالمانيا. فبعد المعارك الفرنسية الالمانية،قل الاهتمام بالالمان في الخارج، ونساهم البعض تماماً. ومع ذلك، فلو لم يكن الدمالالماني طاهراً قوياً ، لما استطاع العشرة مليون الماني ترك بصمتهم واضحة جلية فيدولة تتكون من اكثر من خمسين مليون نسمة، لدرجة ان الناس تصورت ان النمسا كانت دولةالمانية مستقلة.
القليلون ادركوا قسوة الصراع الوحشي الذي خضناه للحفاظ علىاللغة الالمانية، المدارس الالممانية، والاسلوب الخاص للحياة: اليوم فقط، حين يحلمالملايين من الالمان بالعودة للوطن الام، ساعين على الاقل للحفاظ على لغتهم القوية،يدرك جل الناس صعوبة هذا الصراع، وربما يقدر بعضهم اهمية هؤلاء الافراد الذين حمواالوطن من الهجمات من الشرق، وحاربوا من اجل ابقاء اللغة المشتركة حين ما اهتمتالحكوات الالمانية الا بالمستعمرات البعيدة ، متناسية معاناة الالمان في الجوار. وحتى الاطفال اشتركوا في الصراع القومي: اذ رفضنا ترتيد الاغاني غير الالمانية،وارتدينا الثياب التقليدية ، بالرغم من التهديد والعقوبات. فمنذ طفولتي لم يعنيشعور “الوطنية” أي شيء لي، بينما عنت المشاعر القومية كل شيء. وقد كانت دراسةالتاريخ دافعاً قوياً لخلق الحس القومي، نظراً لعدم وجود تاريخ نمساوي مستقل. بل انمصير هذه الدولة مرتبط بالممانيا لدرجة ان ظهور تاريخ نمساوي خاص يبدو مستحيلاً. فتقسيم المانيا لموقعين هو في حد ذاته جزء من التاريخ الالماني.
ضرورة توحيدالالمان والنمساويين كانت نتيجة حلماً بقي في قلوب الجماهير بسبب تذكرها للتاريخالذي كان بئراً لا ينضب. وخاصة في اوقات النسيان ، سما التاريخ فوق الثراء المرحليوهمس الماضي للشعب باحلام المستقبل.
تعليم التاريخ في ما يسمى المدارس الثانويةلا يزال حتى اليوم في حال يرثى لها. والقلة من الاساتذة تفهم ان الهدف من دراستهليس حفظ ارقام او تواريخ، مثل يوم معركة، او ساعة ميلاد زعيم، او حتى حين وصول ملكللسلطة. فمعرفة التاريخ تعني معرفة القوى التي تسبب النتائج المسماة احداثاًتاريخية. والمعرفة هي : القدرة على تذكر الاساسي ، ونسيان كل ما هو غير ضروري.
وقد يكون احد اهم اسباب تشكيل شخصيتي الحالية دراستي للتاريخ مع احد القلةالذين عرفوا هذه القواعد وراعوها في التدريس، الاستاذ ليوبلد بوتش. فقد كان ذلكالرجل العجوز خيراً متقناً لمادته، وتمتع ايضاً بقدرة بلاغية مميزة سحرت اللبوجعلتنا، ونحن نستمع لبعض قصصه، ننسى الحاضر، وكانه ساحر ياخذنا لعصور ماضية، عبرضباب عشرات السنين، صانعاً من الاحداث التاريخية واقعاً معاشاً. وقد كنا من المحظوظبن جداً لان هذا المدرس عرف كيف ينير الماضي بامثلة من الحاضر، وكيف يجلب منالماضي وقائع تلقي الضوء على الحاضر. ونتيجة لهذه القدرة فهم اكثر من غيره المصاعبالتي نعانيها، واستغل مشاعرنا القومية لتقويمنا، مستنشداً باحساسنا بالشرف للانتماءللوطن. وبهذه الطريقة نجح في تهذيبنا بشكل افضل من أي اسلوب آخر ، هذا المدرس جعلنيعاشقاً للتاريخ. وهكذا بت ثورياً بدون ان يسعى هو متعمداً لذلك. فمن يستطيع دراسةالتاريخ الالماني مع استاذ كهذا بدون ان يكره الدولة التي كادت تدمر مصيرالامة؟
الم نعرف ان النمسا ما حملت للالمان سوى البغضاء؟ الم نشاهد افعالهم كليوم؟ في الشمال والجنوب كان سم الدول الاخرى يدمر جسد وطننا ، وحتى فيينا تمتحويلها لمدينة لا المانية. فقد حاولت الاسرة الحاكمة جلب سكان البلاد الاخرى،وخصوصاً التشيك، بقدر الاستطاعة، وكان مقتل السيد فرانسز فوردناد، عدو الالمانالاول، على ايديهم دلالة على عدالة الرب الازلي.

كانت الاثقال التي ناءبحملها الشعب الالماني هائلة ، اذ دفعوا المال والدم ، وبلا فائدة . ولكن ما اغضبنيادعاء ان كل هذا نتج عن علاقات متميزة بين المانيا والنمسا، تنج عنها ان الشعبالالماني تم تديره بموافقة من الحكومة الالمانية ذاتها . وكانت نتيجة هذا النفاق هوازدياد الكرهية للحكومة الالمانية لدرجة الازدراء. ولكن حكام المانيا ما فقهوا كلهذا ، ومثل رجل اعمى، عاشوا بجوار الجثة متصورين في سكون الموت ماعة ميلاد حياةجديدة. وهذا التصور الخاطيء ادى للحرب العالمية الاولى والدمار الناتج عنها.

ادركت في هذه الفترة ان الامة الالمانية ستبقى فقط لو تم تدمير النمسا، وماهو اهم ، ان الحس القومي يتعارض كلية مع مشاعر التبجيل للملك. عرفت ان هذه الاسرةالحاكمة لا هدف لها سوى اخماد نار الامة الالمانية. ومع ذلك احببت النمسا كجزء منالوطن الام.

طبع التفكير التاريخي الذي تعلمته خلال هذه الايام ما هجرنيابداً بعد ذلك. بات التاريخ العالمي مورداً لا ينضب عرفت عن طريقه مغزى الاحداثالمعاصرة. وهكذا تحولت باكراً الى سياسي ثائر.

ما كان المسرح سيئاً في شمالالنمسا. فقد شاهدت المسرحيات المحتلفة في سن الثانية عشر ، وبعض اعمال الاوبراكذلك.

كل هذه العوامل دفعتني لرفض العمل الذي اراد والدي اعدادي له . ايقنتانني لن استطيع الوصول للراحة النفسية في أي وظيفة حكومية. ساكون رساماً، ولن تقدرأي قوة في العالم على جعلي موظفاً.

ومع ذلك ، تحولت مع مرور الاعوام الى حبالمعمار اكثر من الرسم.

وعلى كل حال ، فقد تدخل القدر، واصيب والديبالجلطة، وانتهت رحلته الدنيوية، وتركنا جميعاً في حالة من الحزن العميق. لقد كانطموحه الاخير مساعدة ابنه حتى لا يعاني كما عانى ويكرر ذات الاخطاء. وان لم ينجحالا ان البذور التي زرعها لعبت دورها في خلق مستقبل لم يستطع هو – ولا انا- ادراكهآنذاك.

وقد رغبت امي في ان استمر في الدراسة كما اراد والدي. ثم اصبت بمرضساعدني على التغلب على هذا الصراع المنزلي. اذ اكد الطبيب انني لا استطيع البقاء فيمكتب ، والح على ابتعادي عن المدرسة لعام كامل. وهكذا حققت لي الاقدار الهدف الذيسعيت له.

وافقت امي مكرهة اخيراً على ان ادرس في المعهد الفني. كانت اسعدايام العمر امامي – الا انها بقت احلاماً لان والدتي توفيت بعد وفاة والدي بعاميننتيجة لمرض قاتل اصابها على حين غرة. احترمت والدي، ولكنني احببت امي، وقد احزننيرحيلها كثيراً.

وهكذا وجدت نفسي مضطراً لاتخاذ قرارات صعبة. الاموالالقليلة المتبقية كانت قد اُنفقت في علاج امي، وما قدمته الحكومة للايتام ما كانكافياً حتى لشظف العيش . وهكذا كان امامي مسؤولية الاستقلال الاقتصادي.

وضعت ثيابي القليلة في حقيبة ، وفي قلبي ارادة جديدة، واتجهت الى فيينا. مثل والدي، قررت ان انتزع من القدر مصيراً ميزاً ، وان اكون شيئاً خاصاً ، أي شيء ،باستثناء موظف حكومي.

الفصل الثاني: اعوام الدراسة والمعاناة فيفيينا . . .

حين ماتت والدتي ، حدد القدر اجزاء كثيرة من مصيري المستقبلي .

خلال الشهور الاخيرة من مرضها ، ذهبت الى فيينا لاجتياز الاختيار المبدأيلدخول المعهد الفني. كنت قد اعددت بعض اللوحات ، متاكداً من ان الامتحان سيكون فيغاية السهولة . فقد كنت الافضل في الفصل في مجال الرسم دائماً ، ومنذ ذلك الوقت ،تقدمت قدراتي بسرعة، فاصابني الغرور .

ومع ذلك، شعرت بالمرارة لان قدراتيعلى الرسم الهندسي فاقت بكثير قدراتي كرسام. وكل يوم كان ولعي بالفنون المعماريةيتزايد – خصوصاً بعد رحلة لمدة اسبوعين قضيتها في فيينا في سن السادسة عشر. وقد كانهدف تلك المرحلة هو دراسة متحف الفن، وان وجدت نظراتي تتطلع اكثر لهيكل المتحف. فمنذ الصباح الباكر وحتى المساء، تجولت في الاروقة متابعاً كل ما يشغف فكري، وانكان جل اهتامي قد انصب على المتحف ذاته. لساعات وقفت اما مبنى الاوبرا، وبدا ليالمكان ساحراً مثل قصور الف ليلة وليلة.

والان كنت في المدينة الخلابةللمرة الثانية، منتظراً على احر من الجمر نتائج الامتحان. كنت متاكداً من النجاحلدرجة ان سقوطي اصابني بذهول مطبق. وجين تحادثت مع المسؤول، وطلبت منه التوضيح، اكدلي ان اللوحات التي قدمتها تشير الى عدم توافر الموهبة المطلوبة للرسم لدي، وان اكدان مجال الرسم الهندسي هو الملائم لي ولم يصدق انني لم ادرسه البتة. مكتئباً تركتالبنى، لاول مرة في حياتي غير عارف بما يجدر بي فعله.

عرفت الان انه لابدلي ن دراسة الهندسة . وكان الطريق صعباً: فكل مارفضت دراسته خلال صراعي مع والديبات ضرورياً. ما كان ممكناً دخول كلية الهندسة بدون الشهادة الثانوية. وهكذا بدا انحلمي الفني لن يتحقق ابداً.

حين عدت لفيينا مرة تالثة، بعد وفاة والدتي،كان الطموح والعناد قد عادا لي. قررت ان اصير مخططاً هندسياً ، وكل الصعاب كانتالتحدي الذي لابد لي من اجتيازه. كنت مصمماً على مواجهة العقبات، وامامي صورة ابي،الذي بدأ حياته مصلحاً للاحذية ، وصعد بجهوده الخاصة الى موقع حكومي جيد. توفرت لديامكانيات اكثر، وهكذا بدا ان الصراع سيكون اسهل، وما بدا لي آنذك سوء الحظ، امتدحاليوم كمساعدة القدر الحكيم. فبينما ازدادت معاناتي اليومية، ازدادت ارادة المقاومةداخل ذاتي وفي نهاية المطاف تفوقت على غيرها من العوامل . تعلمت خلال تلك الايامالشدة ، وتحولت من طفل مدلل الى رجل قُذف به الى قلب المعاناة والفقر المدقع. ومنثم تعرفت على اولئك الذين سادافع عنهم في ايام مستقبلية.

خلال تلك المرحلةادركت وجود خطرين مدقعين يحيطان بالشعب الالماني، وهما اليهودية والشيوعية. ولاتزال فيينا، التي يتصورها الكثيرني مدينة اللذات البريئة، تجلب لذهني اسوء صورالمعاناة الانسانية التي عرفتها لمدة خمسة اعوام اضطررت خلالها للعمل ، اولاًكمستاجر يومي، ثم كرسام.

ما جلبته من مال ما كفى حتى لاشباع الجوع اليومي. كان الجوع صديقاً لي آنذاك، وما تركني للحظة، بل شاركني في كل شيء. كل كتاب اقتنيته، وكل مسرحية شاهدتها، جعلته اقرب الي. ومع ذلك، درست خلال تلك الايام اكثر من أيفترة اخرى. باستثناء زياراتي النادرة للاوبرا التي دفعت ثمنها جوعاً ، ما كان لديأي لذة سوى القراءة. وهكذا خلال تلك الفترة قرات كثيراً وبعمق. كل وقت الفراغالمتاح لي بعد العمل قضيته في القراءة، وبهذه الطريقة جمعت خلال بضع اعوام المعارفالتي تغنيني حتى الساعة .

خلال تلك الاعوام، تكونت في ذهني صورة للعالمتبقى القاعدة التي استخدمها في كل قرار اتخذه ، وكل تصرف اقوم به. وانا اليوم مقتنعبان كل سلوكياتنا تنبع من آراء تنتج اثناء شبابنا. فحكمة النضوج تحوي الاراءالخلاقة التي ينتجها الفكر الشاب ولا يمكن تطويرها آنذاك، مضافاً لها الحذر الذييتعلمه الانسان بالتجربة. وهذه العبقرية الشبابية ستكون الاداة الاساسية لخططالمستقبل، التي سيمكن تحقيقها فقط لو لم تدمرها تماماً حكمة النضج.

كانتطفولتي مريحة، بلا قلق يذكر. كنت انتظر مجيء الصباح، بلا أي معاناة اجتماعية. فقدانتميت لطبقة الراسمالية الصغيرة ، وكنت لهذا السبب بعيداً عن الطبقات العاملة. وبالرغم من ان الفرق الاقتصادي بين الطبقتين كان محدوداً ، الا ان الفاصل بينهماكان شاسعاً . وقد يكون سبب العداء بين الطبقتين هو ان الموظف، الذي ما استطاع الابصعوبة ترك الطبقات العاملة ، يخشى من العودة الى تلك الطبقة المحتقرة، او علىالاقل ان يتصوره الناس جزءاً منها. هناك ايضاً الذكريات المخيفة للفقر، وانعدامالمعايير الاخلاقية بين الطبقات المنحطة، وهكذا يخشى الراسمالي الصغير أي اتصال معهذه الطبقة. وهذا الصراع عادة يدمر كل شعور بالرحمة. فصراعنا للبقاء يدر عواطفنالاولئك الذين تخلفوا ورائنا.

اشكر القدر الذي اجبرني على العودة لعالمالفقر والخوف، لان التجربة ازاحت عن عيوني غشاء نتج عن تربية الرأسمالية الصغيرة. عرفت الان معاناة الانسانية ، وتعلمت التفرقة بين المظاهر الفارغة والكائن الموجودفي داخلها.

كانت فيينا التي شاهدتها احدى اكثر مدن اوربا تخلفاً. الثراءالفاحش والفقر المدقع تجاورا. في مركز المدينة وحاراتها شعرت بنبض 52 مليوناً . اماالمحكمة الفخمة والمناطق المجاورة لها، وخصوصاً المباني الحكومية،

فجذبتلها الذكاء والثراء. وهذه المناطق كانت كل ما يوحد الشعوب المختلفة الموجودة في هذهالدولة. فالمدينة كانت العاصمة الثقافية والسياسية والاقتصادية. مجموعة مديرىالشركات العامة والخاصة، موظفي الحكومة، الفنانين، والمدرسين والمثقفين، عاشت فيمواقع قريبة بجوار الفقراء، وواجهت جيوشاً من العمال كل يوم. خارج القصور المعروفةتشرد الاف من العاطلين، وفي ظلال اسوارها رقد من لا يملكون مسكناً.

معرفةهذه الوضاع المزرية ودراستها لن يتم من مواقع عالية : لا احد ممن لم يسقطوا فياشداق هذه المعاناة يمكن له ان يفهم الآمها. ومن حاولوا دراستها من الخارج غرقوا فيلغو الحديث والعاطفة ، وانا لا ادري ان كان تجاهل الاغنياء للفقير اكثر ضرراً منافعال اولئك الذين يدعون الشفقة عليه بتكبر وغرور. والنتيجة دائماً سلبية على كلحال، بينما تزداد الوضاع سوءاً. ولا يجدر بالفقير ان يرضى بصدقة بدلاً من ان تعادله بعض حقوقه.

لم اعرف الفقر من بعيد: بل ذقت طعم الجوع والحرمان، ولمادرسه بطريقة موضوعية، بل خبرته داخل روحي. وكل ما استطيع فعله الان هو وصف المشاعرالاساسية، وذكر بعض ما تعلمته من هذه التجارب.

لم يكن العثور على وظيفةصعباً ، نظراً لافتقاري للتجربة. وهكذا اضطررت للعمل كمساعد عامل او كعامل باجريومي. حلمت بالهجرة الى امريكا. تحررت من الافكار القديمة عن الحرفة والمركز،المجتمع والتراث، وسعيت وراء أي فرصة متاحة، وتقبلت أي عمل، مدركاً ان أي عمل شريفلا يجلب العار لصاحبه. عرفت بسرعة ان العمل متوفر ويمكن الحصول عليه بسهولة، ولكنيمكن ايضاً بسهولة ان يفقده المرء. بدا لي ان عدم ضمان الوصول لرغيف العيش كل يومكان اسوء ما عانيته.

العامل المدرب لا يجد نفسه في الشارع بيسر مثل العاملغير المحترف، الا انه قد يواجه ذات المصير ايضاً. ولذلك ترى العمال يضربون عنالعمل: مما يؤدي للاضرار باقتصاد المجتمع ككل.

ذلك الفلاح الذي يهاجر الىالمدينة، متخيلاً سهولة العمل، وقلة ساعاته، والاضواء الكهربائية الملونة، كان قداعتاد على نوع من الضمان بخصوص لقمة العيش. ففي القرية، لن يترك عمله الا اذا ضمنلنفسه عملاً افضل منه. ونظراً لوجود حاجة دائمة للايدي العاملة في الفلاحة، تبقىامكانيات البطالة محدودة. ومن الخطأ تصور ان الفلاح الذي يهاجر للمدينة اكثر كسلاًمن ذلك الذي يبقى في عقر داره. العكس هو الصحيح: فالمهاجر عادة يكون الاكثر صحةونشاطاً. ولذلك لا يخاف من مواجهة الصعاب. هو يصل ايضاً للمدينة ومعه مدخراته. ولذلك لا يخاف ان لا يصل للوظيفة المرغوبة من اول يوم. ولكن الامور تزداد سوءاً انعثر على وظيفة ثم فقدها. فالعثور على غيرها، خصوصاً في فصل الشتاء، سيكون شاقاً بلومستحيلاً . ومع ذلك، سيعيش وستعاونه الفوائد الحكومية للعاطلين. ولكن، حين تنضبهذه الموارد مع مرور الوقت، ستبدأ المعاناة الحقيقية. سيتشرد الفتى الجائع فيالشوارع، وسيبيع او يرهن ما يملك، وستسوء حال ثيابه، وينحط الى مستوى مادي وروحي فيغاية التعاسة. فتتسمم روحه. وان فقد سكنه في الشتاء، وهو مايحدث كثيراً ، فستكونمعاناته فظيعة. وفي نهاية المطاف، سيعثر على وظيفة اخرى، ثم تتكرر ذات القصة مرةثانية وثالثة، وشيئاً فشيئاً يتعلم عدم الميالاة، ويصير التكرار عادة. وهكذا يتحولهذا الرجل النشيط سابقاً الى كسول يستخدمه الاخرين لمصالحهم. وقد عاش حياة البطالةلوقت طويل بدون ذنب حتى ما عاد بهمه طبيعة العمل الذي يقوم به، حتى ان كان هدفهتدمير القيم السياسية الثقافية الاجتماعية. وحتى ان لم تعجبه فكرة الاضراب، فلنيبالي بها. وقد شاهدت الاف القصص المشابهة للتي اقصها. وكلما شاهدت المزيد ، ازدادتكراهيتي للمدينة الكبيرة التي تمتص دماء الرجال وتدمرهم.

فحين جاءوا فراداً،انتمى كل منه للمجتمع، وبعد اعوام، ما انتموا لاي شيء.

وانا ايضاً عانيتوعثاء حياة المدينة: شعر جسدي بصعابها وامتصت روحي معاناتها. وقد شاهدت ايضاً انالتنقل السريع بين العمل والبطالة، وما ينتج عنه من تقلب اقتصادي، يدمر شعور الفردباهمية الاقتصاد. بدا ان الجسد يعتاد على التبذير حين يتوفر المال، ويستحمل الجوعحين انعدامه. وبصراحة، ان الجوع يقضي على أي ارادة تسعى للتنظيم الاقتصادي حينيتوافر المال لانه يضع امام ضحيته المعذبة سراب الحياة السعيدة لدرجة ان الرغباتالمريضة ستدمر أي قدرة على التحكم ساعة الوصول لاي موارد. وهكذا حين يصل الرجلللمال ينسى كل افكار تتعلق بالنظام والترتيب، ويعيش حياة البذخ ويسعى وراء اللذاتالانية. وغالباً ما سيكون لهذا العامل زوجة واطفال وسيعتادون جميعاً على التبذيرثلاث ليال من الاسبوع، والجوع باقيه. وفي ساعات الظهيرة سيجلسون سوياً امام الصحونشبه الفارغة، منتظرين يوم وصول المرتب، متحدثين عنه، حالمين طوال ساعات الجوع بلذاتالتبذير.

وهكذا يعتاد الاطفال منذ طفولتهم على هذه الاوضاع السيئة.

وقد شاهدت هذه الاوضاع مئات المرات وتقززت منها اولاً، ثم فهمت حقيقةالماساة التي يعيشها هؤلاء الناس الذين باتوا ضحايا لظروف اجتماعية سيئة. وما كاناكثر بؤساً هو اوضاع السكن السيئة . بل انني اشعر بالغضب حتى هذه الساعة حين اتذكرالغرف الصغيرة والاكواخ الخشبية المحاطة بالقاذورات والاوساخ من كل جانب. وقد خشيتذلك اليوم المرعب، حين سيخرج هؤلاء العبيد من اقفاصهم للانتقام من قسوة البشريةعليهم.

والمسؤولون والاثرياء يتركون الامور تسير على مجاريها: وبدون أيتفكير يفشلون حتى في الشك بان القدر يخطط للانتقام من هذا الجور. اما انا فعرفت انتحسين هذه الاوضاع ممكن بطريقتين: فلابد من وجود احساس عميق بالمسؤولية لخلق اسسافضل للتقدم ، ومعه ارادة وحشية تدمر كل ما سيقف في طريقها ويعوق تقدمها. وكما لاتركز الطبيعة جهودها في الحفاظ على ما هو موجود، بل تسعى لخلق اجيال ستقبلية افضل،سيكون من الضروري صناعة قنوات جديدة اكثر صحية منذ البداية.

تجاربيالمختلفة في فينا علمتني ان المشاريع الخيرية غير مفيدة ، والمطلوب تدمير الفوضىالاقتصادية التي تؤدي الى انحطاط الافراد الخلقي. بل ان عدم قدرتنا على استخدامالوحشية في الحرب ضد المجرمين الذين يهددون المجتمع سببها هو عدم تاكدنا من برائتناالتامة من الاسباب النفسية والاجتماعية لهذه الظواهر. شعورنا الجمعي بالذنب تجاهمآسي الانحطاط الاخلاقي يشل قدرتنا على اتخاذ اقل الخطوات قسوة في الدفاع عنمجتمعاتنا. وفقط حين نتحرر من سلطة عقدة الذنب هذه سنقدر على الوصول للقوة والوحشيةوالضروريين لتدمير الاعشاب الضارة والافكار المارقة.

وبما ان النمسا كانتعملياً بلا قانون اجتماعي صالح، لم تكن الدولة قادرة على التعامل مع هذه الامراضالبتة.

ولا اعرف حتى الساعة ما ارعبني اكثر: هل كان سوء الاوضاع الاقتصاديةلمن عرفت، ام انحطاطه الخلقي، ام الضعف الفكري؟

تصور مثلاً هذا المشهد: فيشقة تتكون من حجرتين سكنت اسرة عامل تتكون من سبع اشخاص. بين الاطفال الخمسة، كانهناك طفل في الثالثة، وهو السن الذي تتكون خلاله انطباعات الفرد الاولى. هناك بعضالموهوبين الذين يتذكرون هذه الانطباعات حتى ارذل العمر. مجرد ضيق الشقة وازدحامهالا يؤدي لخلق ضروف صحية ونفسية ملائمة للنمو. قد تحدث مثلاً خلافات بسيطة بين افرادكل اسرة، وعادة يذهبون كل الى حجرة مختلفة، وينتهي الامر. اما في شقة صغيرة، فكلسيرى نفسه في مواجهة الاخرين طوال الوقت. بين الاطفال، الخلاف شيء طبيعي، وهم ينسوناسبابه بسرعة. ولكن ان شاهد الاطفال الابوين في حال خصام دائم، تستخدم خلالهالالفاظ النابية، وربما العنف، فستكون النتائج سلبية. سيتصور الطفل العالم بطريقةتخيف من يقدر على تصورها. فقد تم تسميممه اخلاقياً، وما تغذى جسده كما ينبغي. ومنثم يذهب هذا المواطن الصغير الى المدرسة. بعد صراع مضن، قد يتعلم القراءة والكتابة،اما الواجب المنزلي، فانجازه مستحيل. بل ان والديه سيقذعان المدرسة بابشع الالفاظ. كل ما سيسمعه الطفل لن يعلمه احترام مجتمعه. سيكره المدرسين وكل انواع السلطة. وحينيُطرد من المدرسة بعد ذلك، سيلاحظ الناس غبائه، وجهله ، وكذلك سوء اخلاقه. أي موقعسيستطيع هذا الشاب االيافع لوصول اليه في ظروف مثل هذه؟ كل ما لديه هو كراهيةالمجتمع والبشرية. وبعد هذا، في سن الخامسة عشر، سيبدأ ذات الحياة التي عاشهاوالده، فيذهب للخانات، ويعود متاخراً لمنزله، وينتهي به الامر في السجن.

وكم من مرة غضب الرأسمالي اذ سمع العامل الفقير يقول انه لا يهتم سواء اكانالمانياً ام لا، ما دام يجد الغذاء والكساء: فقدان الشعور القومي بهذه الطريقةفظيع. كم من الالمان في عصرنا يشعرون بالفخر ان تذكروا انجازات امتهم الثقافيةوالفنية؟ وهل يدرك المسؤولين ان الشعور بالفخر والعزة الوطنية لا يصل الا لقلة منافراد الشعب.

لذلك لا بد من تحسين الاوضاع المعيشية ومن ان يركز التعليمعلى قيم اساسية تتفشى في اذهان الناس عبر التكرار.

ولكن المانيا، بدلاً منالدفاع عن القيم القليلة الموجودة، تسعى لتدميرها. والفئران التي تبث سمومها فيالقلب والذاكرة تنجح في الوصول لغاياتها، بمساعدة الفقر والمعاناة: يوماً بعد يوم،في المسارح ودور السينما، نرى السم يُقذف على الجماهير، ثم يتحير الاثرياء عن اسبابانحطاط القيم الاخلاقية للفقراء، وانعدام الشعور الوطني بينهم.

قضية خلقالشعور الوطني اذاً تعتمد على توفير ظروف ملائمة لتعليم الافراد لان اولئك الذينيتعلمون عن طريق الاسرة والمدرسة فقط هم الذين سيستطيعون تقدير الانجازات الثقافيةوالاقتصادية والسياسية لوطنهم لدرحة الانتماء لذلك الوطن. استطيع ان احارب فقط مناجل ما احب، واحب فقط ما احترمه، واحترم على الاقل ما اعرفه.

ومع ازدياداهتمامي بالقضايا الاجتماعية ، بدات اقرء المزيد عنها ، وفتح عالم جديد ابوابه لي.


( 2 )

خلالالاعوام 1900 -1910 تغيرت اوضاعي لانني ما عدت اعمل كعامل ، بل بدات العمل كخطاطوراسم بالالوان المائية. ومع ان المال ما كان كافياً ، الا انه كفى لتحقيق طموحيآنذاك. اذ استطعت الرجوع للمنزل وانا قادر على القراءة بدون ان يدفعني التعب من عملاليوم للنوم فوراً. بات بعض وقتي ملكاً لي.

تصور الكثيرون انني غير طبيعي : ولكنني تابعت ما اعشق، الموسيقى والعمران. كنت اجد في الرسم والقراءة كل اللذاتوسهرت كثيراً حتى الصباح مع لوحة او كتاب. وهكذا كبرت طموحاتي، وحلمت بان المستقبلسيحقق امالي، وان بعد حين. كذلك تابعت قضايا السياسة وقرات المزيد عنها لانني ارىان التفكير في شؤونها وظيفة تقع على عاتق كل مواطن يفكر. وبدون معرفة شيء عنطبيعتها لا يحق للفرد النقد او الشكوى.

ما اعنيه بالقراءة يختلف عا يقولهدعاة الثقافة في عصرنا. فقد عرفت رجالاً قراوا كثيراً ، ولكنه ما كانوا مثتقفين. نعم، هم عرفوا الكثير من المعلومات، ولكنهم ا استطاعوا تسجيلها وتنظيمها. وهكذاافتقدوا فن تمحيص القيم من الغث، والتحرر مما كان بلا فائدة، والاحتفاط بالمفيدمعهم طول العمر. فالقراءة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الغايات. وظيفتهاالاساسية هي ملأ الفراغ المحيط بالمواهب والقدرات الطبيعية للافراد. المفروض هو اننقدم للفرد المعدات التي يحتاجها لعمله الحياتي بغض النظر عن طبيعة هذا العمل. كذلك، يجدر بالقراءة ان تقدم رؤية معينة للوجود. وفي كلا الحالين، الضروري هو الاتتحول محتويات الكتاب الى الذاكرة بجوار كتب لاحقة، بل ان توضع العلومة المفيدةبجوار غيرها لتوضيح الرؤية الاساسية في فكر القاريء. وان لم يحدث هذا، ستتجمعالمعلومات بشكل فوضوي في الذهن، بلا قيمة سوى خلق الكبرياء. فالقاريء من هذا النوعسيتصور انه قد عرف المزيد ، وان كان في الواقع يبتعد اكثر فاكثر عن الواقع حتىينتهي المطاف به في مستشفى المجانين.. او مجلس الشعب، وهو ما يحدث كثيرا. وهو لنيستطيع اذاً الاستفادة مما قراه.

اما القاريء الناجح، فيستطيع بسرعة ادراكما سيستفيد منه وترك الباقي. المعلومة المفيدة ستصحح الاخطاء، وتوضح الصورة الكلية. ثم، حين تضع الحياة سؤالاً امام القاريء، ستعرف ذاكرته كيف تجلب الاجزاء المطلوبةللاجابة، وتقدمها للعقل حتى يختبرها ويتحقق بشانها، حتى تتم الاجابة على السؤال. وهذه هي القراءة المفيدة. ومنذ صباي حاولت القرائة بهذا الاسلوب، وفي هذا المسعىعاونني الذكاء والذاكرة. اما تجارب الحياة اليومية فقد دفعتني لقراءة المزيدوالتفكر بشانه. وفي هذا السعى عاونني الذكاء والتجارب. وهكذا وجدتني اخيراً قادراًعلى الربط بين النظرية والواقع ، وعلى اختبار النظرية في ظل الواقع، ونجوت بهذهالطريقة من الكبت الذي تخلقه النظرية لمن لا يعرف سواها، ومن التفاهة التي يحياهامن لا يعرف سوى الواقع اليومي المعاش.

خلال تلك المرحلة دفعتني تجارب الحياةالى دراسة سؤالين آخرين، كانت الماركسية احدها. فما عرفته عن الفكر الديمقراطي كانقليلاً وغير دقيق. آنذاك، اسعدتني فكرة الصراع من اجل حقوق الانتخاب. فحتى في ذلكالزمن الباكر، ادركت بان هذا سيضعف من سطوة السلطة الجائرة في المنسا. وكلما زادتاللغات المستخدمة في مجلس الشعب النمساوي الذي بات مثل – بابل – بدا تشتت تلكالدولة الحتمي وشيكاً ، ومعه ساعة تحرر الشعب الالماني.

نتيجة لكل هذا، لماتضايق من حركات الديمقراطية الاجتماعية. بل ان ادعائاتها بمساعدة الطبقات الفقيرةبدت لي من العوامل التي وقفت في صفها. ولكني رفضت في هذه الحركات عدائها لكلمحاولات المحافظة على الشخصية الالمانية، ومغازلتها “للرفاق السلاف”، الذين ماتقبلوا من افكارها الا ما سيستفيدوا منه، وتركوا الباقي باحتقار تام.

حدثلقائي الاول مع هذه الحركات خلال عملي كعامل بناء.

وكانت التجربة سيئة منذالبداية: كانت ثيابي نظيفة، ولغتي جيدة، وسلوكي حذراً. كنت لا ازال اسعى وراء مصيريلدرجة تجاهل الناس حولي. بحثت عن العمل فقط خوفاً من الجوع، وللاستمرار في الدراسة. ربما ما كانت القضية ستهمني البتة لو لم يطلبوا مني في اليوم لرابع الانضماملتجمعهم. ونظراً لجهلي بالموضوع، رفضت موضحاً انني لا اعرف ما يكفي عنهم للانضماماليهم. ربما لهذا السبب لم يعادونني ، بل ورغبوا في اقناعي بالانضمام الى صفوفهم. ولكنني خلال الاسبوعين القادمين عرفت افكارهم جيداً، وما عاد باستطاعتي البتةالانضمام لمجموعة بغضتها.

ساعة الظهيرة حين كنا نتناول الطعام في الحانة: كنت اشرب الحليب وآكل الخبر في زاوية متطلعاً لهم بحذر او متاملاً حظي السيء. وهكذااستمعت لهم، بل انهم جاءوا بجواري حتى استمع واتخذ موقفاً. وما كان امامي منفذ آخرلان ارائهم اغضبتني جداً: قالوا ان الحس الوطني نتج عن اعلام الطبقات الراسمالية،وانه عبارة عن سلاح يستخدمه الاثرياء لاستغلال العمال، والمدرسة ليست سوى مؤسسةلانتاج العبيد واسيادهم، اما الدين فادعوا انه اسلوب لتخدير الشعوب حتى تسهلالسيطرة عليهم، والاخلاق ليست سوى دلالة على الغباء. ما كان هناك ما لم يلقونه فيالوحل. في البداية لذت بالصمت، ولكنني سرعان ما بدأت باتخاذ مواقف فكرية مخالفة،وقرأت فكرهم وناقشتهم بشانه. واستمر النقاش حتى قرروا استخدام سلاح يقهر العقلبسهولة: وهو البطش والارهاب. وهكذا طلبوا مني الذهاب وهددوني بانهم سيلقونني فيلخارج ان رفضت. وهكذا خسرت عملي، وفي نفسي سؤال مرير: هل هؤلاء فعلاً بشر؟ وهليستحقون شرف الانتماء لامة عظيمة؟ وكان السؤال صعباً. وان كانت اجابته بالايجاب،فان الصراع في سبيل القومية لن يستحق التضحية والمعاناة، اما ان كانت الاجابةبالنفي، فان امتي ستفتقر بالفعل للانسان.

ومن المؤكد ان ملايين العمال بدأوابرفض الحركات اليسارية ، ولكن الراسماليين ذاتهم دفعوهم لاحضانها بطريقة مجنونة: اذان الاثرياء رفضوا كل محاولات تحسين اوضاع العمال، سواء اكان الهدف تحسين الاوضاعالصحية في المصانع عبر تطوير الالات، او منع عمالة الاطفال، او حماية المرأةالفقيرة اثناء فترة الحمل. وقد كان رفض هذه الافكار مخزياً بالفعل، ودفع العماللاحضان اليسار. ولن تستطيع الراسمالية ابداً التحرر من اضرار رفضها للاصلاح الذيبذر الكراهية بين الغني والفقير ودفع بالعمال الى الاحزاب اليسارية.

خلالتلك الفترة، رفضت ايضاً اتحادات العال، وان كنت خاطئاً في هذا الاتجاه. ففي سنالعشرين عرفت ان الاتحاد العمالي سعى للدفاع عن الحقوق الاجتماعية لهذه الطبقة، وانهدفه الاساسي كان تحسين اوضاعها الاجتماعية. فالعامل لا يستطيع ان ما رضي بعمله،استبداله بآخر. فاما ان يكون تحسين الاوضاع الاجتماعية في مصلحة المجتمع او لايكون. وان كان ، فلابد من الصراع لتحسين هذه الاوضاع. ولكن العامل لا يقدر وحيداًعلى مواجهة قوة الراسمالي الثري. ولذلك كانت الاتحادات ضرورية . ولكنها منذ بداياتالقرن العشرين بدات تفقد دورها الاجتماعي الاساسي ، ومع مرور الاعوام تحولت الىسلاح تستخدمه الاحزاب الشيوعية في صراعها الطبقي. وهكذا بات هدفها تدمير اقتصادالمجتمع، وتغييره، بدلاً من اصلاح الاوضاع السيئة – التي كان اصلاحها خطراً اذ انهقد يقنع العمال بتقبل اوضاعهم، ولا يسمح للشيوعيين باستغلالهم بذات الطريقة البشعة. تطلع زعماء الاتحادات بخوف لامكانيات الاصلاح لدرجة انهم رفضوا أي محاولة للتغييرللافضل، وهاجموها يقسوة شديدة. ثم تقدموا بطلبات مستحيلة ما كان للراسماليين بد منرفضها، ثم ادعوا ان هناك مؤامرة لتدمير العمال واستغلالهم. ونظراً لضعف قدرات هذهالطبقة الفكرية، ما كان النجاح صعباً.

وهكذا عرفت طبيعة العلاقة بين هذهالعقيدة المدمرة والطبائع الحقيقية لاناس ما عرفت بعد أي شيء عنهم. وقد كانت معرفتيباليهود فقط هي ما اوضح لي الطبيعة الحقيقية الخفية لنشاطات اتحادات العمال،الديمقراطية ظاهراً، الشيوعية في الخفاء.

لا اتذكر بالضبط متى بداتبالتفكير بشكل جدي بالقضية اليهودية. لا اعتقد انني استمعت لهذه الكلمة في منزلنااثناء طفولتي. اعتقد ان والدي كان سيتضايق من الاهتمام بهذه القضية بل ويعتبرالتركيز عليها نوعاً من انواع التخلف. وبسبب تجاربه المختلفة، وصل لنوع من العالميةالتي، بالرغم من وطنيته، اثرت على بشكل ما. وما رايت في المدرسة ما دفعني لتغييرافكاري. واتذكر الان وجود شاب يهودي معنا في المدرسة، ولم نكن نثق به بسبب تسريبهللاخبار من شخص لآخر. ولكن هذا لم يدفعني للتفكير بالامر بشكل جدي.

في سنالخامسة عشر، استمعت لحوارات دينية وسياسية تناولت القضية اليهودية، ولكني ضقتذرعاً بها نظراً لطبيعتها الدينية. كان هناك بعض اليهود في لينز. ومع مرور القرون،تغيرت طباعهم ومظهرهم لدرجة انني اعتبرتهم الماناً. ياللبلاهة! تصورت انه لا فرقبيننا وبينهم سوى الدين. حقيقة معاناتهم للاضطهاد بسبب دينهم، كما تصورت واهماً ،دفعتني للغضب حين سمعت الناس ينتقدونهم.

ثم جئت الى فيينا.

وبسبباهتمامي بالمعمار والصعاب التي واجهتها، لم الاحظ وجود مئتا الف يهودي بينالمليونين الذي يقطنونها. غمرتني الافكار والقيم الجديدة. وفقط مع عودة الوعيوالتروي وضحت الرؤية. في البداية ، اغضبتني للغاية انتقادات بعض الصحف المحليةلليهود، وتصورت انها رجعة لتطرف العصور الوسيطة. وبما ان المجلات المعنية ما كانتحسنة السمعة، تصورت ان القضية لا تزيد عن كراهية وحسد. واكد صحة هذا الراي الاسلوبالنبيل الذي استخدمته الصحف الكبيرة في الرد على هذه الاتهامات، او رفضها احيانكثيرة مجرد التعليق عليها، وقتلها بالصمت المطبق.

قرات الصحافة الدوليةواذهلني وسع افقها ومواضيع مقالاتها. احترمت سموها الفكري، وان ضايقني احياناً مااعتبرته نوع من النفاق على حساب الحقيقة. فقد رايت مغازلة هذه الصحف للسلطة. وماحدث امر يتعلق بالحكومة، الا ووصفوه بحماس منقطع النظير. وفي ذات الان، كانوااحياناً يهاجمون الحكومة القيصرية في المانيا. كانت موضوعيتهم اذاً عبارة عن احتراممصطنع لاتفاقية بين دولتين. شعرت بسطحية هذه الصحافة، وبدات الاحظ نقاط ضعفها. قراتها الان بحذر، ولاحظت ان الصحافة المعادية لليهود، كانت اكثر صراحة احياناً. بلان بعض ما نُشر على صفحات الاخيرة كان يدفع للتفكير.

وفي يوم لاحظت يهودياًفي شوارع فيينا وتطلعت له متسائلاً: هل هذه الرجل الماني؟ كالعادة قمت بالقرائة عنهذا الموضوع، وكانت الكتب سيئة. الكتاب تصوروا ان القاريء يعرف كل ما هو ضروري عناساسيات الموضوع، وجله قدم افكاراً غير علمية البتة. تراجعت، وخشيت ان تتكون لدياراء غير عادلة بهذا الشان.

ما بات واضحاً لي هو ان اليهود ما كانوا الماناً، بل شعباً خاصاً. فمنذ ان بدأت بدراسة الموضوع بت الاحظهم. وكانت تصرفاتهمواخلاقياتهم واشكالهم تخالف تماماً الالمان العاديين. بل اننني عرفت ان هناك بينهمحركة تدعى الصهيونية تؤكد على انهم شعب خاص. وكان واضحاً ان بعضهم وافقوا على هذهالفكرة، وعارضها آخرين. ولكن المعارضين للصهيونية بدوا لي كاذبين لانهم ما رفضواالصهاينة كمارقين، بل كيهود يقدمون افكاراً خطيرة واساليب ضارة للتعبير عن هويتهمالدينية. وهكذا كانوا جميهاً جسداً واحداً ، الصهاينة وغيرهم.

خلال فترةقصيرة تقززت من الحوار بين اليهود الصهاينة واليهود غير الصهاينة لان الحوار بدا ليمبنياً على خداع كاذب لا يتلائم مع السمو الخلقي والطهارة التي يدعيها الشعبالمختار لنفسه.

ثم لاحظت ايضاً الدور الذي يلعبونه في الحياة الثقافية: ولاادري هل يوجد اي نوع من انواع الفساد الاخلاقي والثقافي بدون ان يكون احدهم وراءه. لاحظت دورهم في الصحافة، الفن، الادب ، المسرح. لم احتاج سوى لقراءة الاسماء وراءكل انتاج يسعى لهدم البنية الاخلاقية للمجتمع، وفي جميع الميادين. ان انتجت الطبيعةواحداً مثل جوثة، فهناك مقابله الاف من هؤلاء الذين يبثون السموم في ارواح الناس. وبدا كأن الطبيعة قد خلقت اليهود للقيام بمثل هذه الادوار.

تسعة اعشارالقذرات في ميداني الادب والمسرح انتجها الشعب المختار، وهم لا يزيدون عن 1% منالسكان. اما الصحافة الدولية التي احببتها يوماً فكان غالب كتابها منهم. ادركت الانان اسلوبهم الموضوعي في الرد على مهاجميهم ، والتزامهم الصمت احياناً، ما كانا سوىخداعاً يهدف للسيطرة على الناس. لاحظت ان الاعمال المسرحية والادبية التي يمتدحونهاهي التي يقدمها اليهود، اما الاعمال الادبية الالمانية، فانتقدوها دائماً بقسوةبالغة. ما اختبا وراء الوضوعية المصطنعة كان العداوة الشديدة لكل ما هوالماني.

ولكن ، لمصلحة من كان كل هذا؟

هل كان كله محضصدفة؟

بت غير واثق شيئاً فشيء.

ثم لاحظت الاخلاقيات اليهودية فيالشارع. علاقتهم بالدعارة، بل وباستعباد البيض، كان واضحاً جداً في فيينا. وهكذاحين ادركت ان اليهودي هو ذلك المرابي البارد القلب، المنعدم الحياء، الذي يستثمرامواله في هذه التجارة الفاسدة التي تدمر المجتمع، ارتعشت اطراف جسدي.

بداتبمناقشة القضية اليهودية، وتعودت ان اراهم في مختلف فروع الحياة الثقافية. ولماستغرب حين عرفت ان زعيم الحزب الديمقراطي الذي تحدثت عنه اعلاه كان يهودياً.

وحتى في علاقاتي اليومية مع العمال، لاحظت قدراتهم المذهلة على تقبل اراءمتعاكسة، متذبذبين بين اتجاه واخر احياناً خلال ساعات او ايام محدودة. لم استطع انافهم كيفيمكن لاناس، حين تتحدث مع احدهم ، يبدو لك منطقياً واقعيا، ان يتحول فجاةتحت تاثير رفاقه لاراء معاكسة لكل منطق. احياناً شعرت بالياس التام المطبق. فبعدساعات قضيتها في حوار مضني، شعرت بانني ساعدت في تحرير احدهم من هراء آمن به، وسعدتلنجاحي، ولكني سمعته يكرر ذات الهراء ثانية صباح اليوم التالي، وذهب جهدي هباء.

فهمت انهم ما كانوا قانعين باوضاعهم وبغضوا القدر الذي عاملهم بقسوة شديدة، والرجال الذي بخسوهم الاجر وما فهموا معاناتهم، وانهم تظاهروا ضد ارتفاع الاسعار،كل هذا كان مفهوماً. ولكن ما لا افهمه كان كراهيتهم لجنسهم ووطنهم، واحتقارهم له،وتدميرهم لتاريخه. كان هذا الصراع ضد جنسهم وقبائلهم وبلادهم تدميراً للذات. وانامكن معالجتهم منه، فلساعات محدودة.

ثم لاحظت ان صحافة الديمقراطيين تحكمفيها اليهود: ومع ان ظروف العمل في هذه الصحف شابهت غيرها، الا انني لم اجد بينهاواحدة يمكن اعتبارها حسب رؤيتي الخاصة، وطنية. كانت الصحافة التي يديرها اليهودشيوعية في العادة، واسعدني هذا. اذ عرفت ان الحزب الذي كنت اتصارع معه منذ شهور كاناجنبياً، فاليهود ما كانوا ابداً المانا.

عرفت الان من اغوى شعبنا لطريقالظلال.

عرفت ايضاً ان انقاذه ممكن.

اما اليهودي، فارائه الضالة لاتتغير ابداً.

فقد حاولت آنذاك مناقشتهم: تحدثت كثيراً واوضحت شرور الفكرالماركسي، ولكن بلا فائدة سوى ان يبح صوتي. واحياناً ،حين نجحت في اصابة احدهمبضربة فكرية مميتة، وشاهد جميع السامعين هذا، واضطر غريمك للموافقة، فانه سيعودصباح اليوم التالي لموافقه ذاتها، وكان أي تغيير لم يحدث.

وكان لكل هذافائدة: فكلما فهمت اساليب اليهود وخداعهم بشكل افضل، زاد عطفي على العمال وادركتانهم ضحايا لهذه الاساليب واغوائها.

تراجعت عن الافكار الدولية وبت ناقماًعلى اليهود. وحين درست نشاطاتهم عبر القرون، تسائلت : هل كتب القدر لهم التوفيقوالسيطرة على الاخرين، لاسباب لا نعرفها؟ هل يمكن ان يكون النصر حليفاً لامة ماعاشت الا للدنيا؟

تفكرت مرة اخرى في عقائد الماركسية ، وتعلمت اشياء جديدة: ان هذه العقيدة ترفض فكرة الصفوة الارستقراطية الموجودة في الطبيعة وتستبدل القوةالفكرية بالكثرة العددية. وهي لهذا السبب ترفض أي قيمة فردية، وتعارض الفكر القومي،وتسحب من الانسانية ثقافتها. انها فكرة كفيلة بتدمير أي حضارة، وان انتصر اليهوديبمعونة هذا الفكر، فان نصره سيكون الدمار النهائي للانسانية.

ولذلك اشعر انني اتصرف بمعاونةالخالق العظيم ومن اجل تحقيق اهدافه السامية لمصلحة البشرية حين ادافع عن نفسي ضداليهودية واعلن الحرب عليها.



أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: