إبراهيم عيسى يكتب: جمال عبدالناصر يحضر مباراة مصر والجزائر


إبراهيم عيسى يكتب: جمال عبدالناصر يحضر مباراة مصر والجزائر

https://i0.wp.com/www.imbh.net/aldaftar/images/articles/10082008153741-0.jpg


مقال أ. ابراهيم عيسى فى جريدة الدستور بتاريخ 18/10/2009

لا يمكن أن نحاسب شعبا أو نحكم علي صفات وسمات وأفكار شعب من خلال جماهير كرة القدم، هذا محض تفاهة وفراغة عقل، ومن ثم فالتوتر الحاصل بين مصر والجزائر حول مباراة حاسمة فاصلة في كرة القدم للصعود إلي نهائيات كأس العالم ليس متوقعا لأي من البلدين أن يحققا فيها شيئا أكثر من التمثيل المشرف إنما هو توتر حادث وحاصل بين جمهورين وليس بين شعبين.

فرق كبير شاسع بين الشعب والجمهور
بين المواطن والمشجع

فالشعب يتحول أحيانًا إلي جمهور يملأه الحماس والتعصب وروح المنافسة ومشاعر الانفجار والتنفيث الملتهب ويملأه التوتر الذي يجعله فاقدا للتفكير المتعقل أو النظرة الموضوعية.
هذا مسموح به جدا وطبيعي للغاية في أي بلد ولأي شعب في العالم متحضروه ومتخلفوه.

أنت نفسك (أو أنا كي لا تزعل مني ) تذهب للاستاد وتتفرج علي مباراة وأثناء هذا كله تتحول إلي مشجع مهما كنت وقورا فأنت تزعق وتصرخ وتفرح بهبالة وتغضب؛ لأن الحكم محسبش كورنر وتسب في لاعب لأنه قلش الكرة العرضية، تصرفات وسلوكيات وألفاظ وانفعالات لا يمكن أن تصدر عنك وأنت تجلس وراء مكتبك أو أمام ماكينة المصنع أو مع مريضك في المستشفي أو بين عيالك، من هنا أفهم هذا اللغو الدائر بين همهمات من مصر والجزائر بمناسبة المباراة الموعودة باعتبارها تصدر عن جمهورين وليس عن شعبين، المشكلة هنا عندما يتورط إعلاميون ورياضيون في التصرف كجمهور فيلبخ ويطين الدنيا بينما المطلوب منه أن يحتفظ بالمتفرج اللي جواه عند لحظات المباراة وفقط!
أعرف طبعا أن الكرة ليست بالضرورة تجمع بين الشعوب كما نعرف في قاموسها ونتمني من ممارستها؛ فالكرة بالذات في الوطن العربي شأن أشياء كثيرة في الوطن العربي تتحول إلي ماعزة أحيانا؟
يعني إيه؟

أفكرك بحرب البسوس وهي واحدة من الحروب التي دامت بين قبيلتين من العرب مدة وصلت إلي أربعين عاما شهدت قتلي ومذابح وأرامل وأيتامًا وكان سبب اندلاعها خناقة علي معزة، ماعز صغير أو ربما جدي حسب اختلاف الروايات بين القبيلتين الكرة تتحول هذه الأيام إلي هذا الماعز (أليست مصنوعة من جلد الماعز فعلا؟)، فالكرة علي ما فيها من ترفيه وتسلية وقضاء وقت تحولت إلي مصارعات سياسية وكل طرف يتنابز مع الآخر ويتبادل في صفاقة جاهلة الطعن والتسفيه وحط القدر وضعة المكانة!

مرة أخري أعرف أن التوترات بين الدول حول مباريات كرة القدم أمر ليس غريبا تماما فشيء من هذا شفناه وعرفناه في عالمنا المعاصر، لكن الفارق ضخم كذلك بين كرة القدم حين تتحول إلي مرآة عاكسة للتوتر السياسي وبين كرة القدم مثلما حالنا في مصر والجزائر عندما تكون مفجرا للتوتر الشعبي والسياسي، هنا مناط الاختلال!

> بين إسبانيا وإنجلترا توترات دفينة ومعلنة وتجد لنفسها مساحة علنية أقوي وأعرض في لحظات المواجهات الكروية، فهناك خلاف عميق قديم حول السيطرة علي جبل طارق في البحر الأبيض المتوسط وحفريات عداء لاتزال في تربة القلوب الإنجليزية والإسبانية تنمو وترعرع وتعبر عن نفسها يوم لقاء حاسم بين فريق إنجليزي أو منتخب بريطاني مع فريق أو منتخب إسبانيا، كذلك في فترة الحرب الباردة كانت المباراة التي تجمع ألمانيا الغربية بألمانيا الشرقية (أيام الانفصال) كانت شديدة التوتر والمنتصر فيها كأنه جاب حتة من السماء وكأنها مباراة علي من كان اختياره الأفضل والأحسن بين الرأسمالية والاشتراكية بين الغرب والشرق، كذلك المباريات التي تجمع بين كرواتيا وروسيا حتي الآن تحتفظ برغبة كرواتيا في الانتقام من عصر السيادة الروسوفيتية وشيء من هذا تلقاه بين الروس والأوكرانيين، وفي مباريات الصرب والجبل الأسود أمام كرواتيا، وليس بعيدا عنا أن كل مباراة تجمع بين منتخبي إيران وأمريكا تحظي وتحتفظ بكل التوتر المعشش بين الدولتين، لكن هذه الأمثلة وغيرها هي تعبير عن توتر سياسي يجد مسارا وتنفيثا في كرة القدم، السؤال: كيف ومصر والجزائر بلا أي نوع من التوتر بين الشعبين علي أي نحو لما يأتي هذا التوتر وتتفجر تلك الحساسية ثم يتحول الأمر إلي تنغيص سياسي علي الجزائريين ومعايرة بالموقف المصري المتضامن مع ثورة الجزائر وكلام عيال في موضوعات ناس كبيرة لا يصح أن تدخل طرفا في التنابز بين مشجعي فريقين، ولا يصح أبدا أن نتعامل مع جمهور الجزائر كأنما جمهور الإسماعيلي يكايد في الأهلي أو الألتراس الأهلاوي يلقي شماريخ علي جمهور الزمالك (طبعا جمهور الزمالك يستاهل إيه اللي وداه الماتش وهو عارف إنه ينهزم!)
لكن ما الذي يقوله فريق المصريين المهيج للشعب الجزائري؟
يقول أمرين:

الأول: أن الجزائريين لا يحبون المصريين وأن مبارياتنا معهم يشوبها الشغب والعنف، وأن لاعبيها يلعبون معنا بخشونة وعدوانية.. وطبعاً اللاعبون المصريون ملائكة تمشي علي الأرض ولا تخطئ مثلا.. أو أبداً.

الأمر الثاني: أن الجزائريين ينسون مواقف مصر التي وقفت معهم في نضالهم من أجل الاستقلال وفي مواجهة الاحتلال الفرنسي، وأننا ضحينا من أجل الجزائر وفي الآخر يبقي الثمن كراهية للمصريين ومصر.. وغرام بفرنسا واللغة الفرنسية.
والحقيقة أنه لا حقيقة في هذه الاتهامات المهيجة التي تعبر في صورة منها عن عقدة المصري المضطهد وشعوره بأن العالم يتآمر عليه أو يضطهده من غير ما يعرف هو ولا هم بيحقدوا علينا ليه، أفهم أن الجزائر تحقد علي مصر وصولها لكأس العالم، لو كنا مثل السعودية مثلا نحاول الصعود للمرة الخامسة علي التوالي، أو مثل الكاميرون والسنغال حين حققتا إنجازات ممتازة في كأس العالم، لكن نحن يا حسرة وصلنا مرتين واحدة منهما عام 1934، وكل ما قدمناه هو ضربة جزاء غير صحيحة أحرزنا منها هدفنا الوحيد في تاريخ بطولة مستمرة منذ ثمانين عاما!
لنرد الآن علي ما يقوله المتحمسون للخناق في الحارة مع الإخوة الجزائريين:

أولا: الجزائريون يحبون المصريين وبصدق ولا معني لأي كلام عكس ذلك، فليست مباريات كرة القدم دليلا علي الحب والكراهية، فالحاصل أن الشغب والعنف يخص مباريات كثيرة في دول أكثر بين فرق بلد واحد ومجتمعات واحدة ولو كانت الدنيا تؤخذ بخلافات الكرة لتمزقت دول إلي شيع وكانتونات ودويلات كل منها يرفع علم فريقه بديلا عن علم بلده، أما الخشونة في الملعب فالحقيقة أنها جزء وسمة من طبيعة اللعب الأفريقي والأوروبي الذي لا يعرف اللعب المرئ والميوعة الشهيرة عندنا؛ حيث يتقلب اللاعب في أرض الملعب مصابا كأنما قرصته عقربة ثم يقوم ولا كأن حاجة حصلت، أما خبرة تضييع الوقت فهو ما تلجأ إليه فرق وأندية ومنتخبات، والشاطر من لا يدع فرصة لتضييع الوقت وليس من يتحجج بخمس دقائق وقتًا ضائعاً، ثم إن الجزائر ذلك البلد الصلب القوي المناضل، وهذا الشعب الرائع الصادق المباشر الذي ليس له في اللوع باع ولا بالفهلوة دراية هو من استقبل شيخا مصريا عظيما ووضعه في قلبه وروحه وصار الشيخ الأكبر والأهم والمرجعية الدينية في الجزائر وهو الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله -، وكذلك تعامل الشعب الجزائري مع شخصية دينية مصرية عظيمة مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي يتمتع بأكبر مساحة جماهيرية من المحبة والتقدير وأوسع عدد من المريدين والتلامذة في الجزائر. ومن الدين للفن والثقافة حيث محبة الجزائر للثنائي الخالد الشيخ إمام عيسي والشاعر الذي لن يتكرر عمنا أحمد فؤاد نجم اللذين عاشا في الجزائر روحا وجسدا ونجاحا وحبا وفنا يفوق وصف المحبة الجارفة، كما أن فناني مصر من مطربيها وممثليها ونجومها لا يخطو ممثل أو مطرب مترا في الجزائر إلا وأحاطه الجمهور من كل جانب يغمروه بحب منقطع النظير، ولدي كل فنان مصري زار الجزائر في عمل أو في مهرجان أو في فسحة قصة عن جمهور الجزائر وعشقه للفن والفنانين المصريين، أما حفلات مطربينا: أنغام وعلي الحجار وهاني شاكر وإيهاب توفيق وغادة رجب، فيحضرها هناك عشرات الألوف من الجماهير (للمفارقة فالحفلات في الغالب تقام في استادات الكرة حيث نفس الشغب مع الفرق المصرية يناقضه حب مدٍو مع فرق الغناء والمطربين المصريين).

ثانيا: أما معايرة الجزائريين بأن مصر عملت لهم وفعلت، فالغريب أن هذه المعايرة تأتي من أشخاص يدعون لانعزال مصر عن محيطها العربي ويكرهون التواصل والتآزر بيننا وبين الشعوب العربية، ففلسطين فلس وطين، والعرب جرب، والخلايجة بدو، والسعوديون كذا، والكوايتة كذا، ولبنان مش عارف إيه.. ومع ذلك فإن هؤلاء الذين لا يكفون عن دعاوي التخلص من عروبتنا هم أول من يعاير فلسطين واليمن بما فعلته مصر ويتنابز مع الجزائر بما فعلته مصر، ورغم أن هؤلاء في الغالب لا يعرفون بالضبط ما فعلته مصر مع اليمن والجزائر (ودول أفريقيا بالمرة) لكنه كلام سمعوه من مراحل غسيل الدماغ المصرية في السبعينيات حين كانت سموم الإعلام الحكومي ترمي بكل أدرانها علي عروبة مصر والذي أوصلنا الموقف إلي تطبيع رسمي مع إسرائيل وكراهية رسمية للعرب والعروبة، وفي ذات الوقت كان ملايين المصريين يعملون في الجزيرة العربية والخليج العربي والعراق وليبيا، والحقيقة أن مصر فعلت فعلاً الكثير مع الشعوب العربية من أجل تحرر هذه الشعوب واستقلالها، لكن مصر فعلت كدور واجب ومفروض وفرض ديني وعروبي وإنساني عليها ولم تفعل ذلك من أجل إتباعه بالمن والأذي وفعلت ذلك ووجدت من العرب بعدها كل تضامن ومحبة ومشاركة في السراء والضراء، وفي حرب 1973شاركت قوات جزائرية مع الجيش المصري في الحرب ضد الصهاينة لتحرير الأرض وأرسلت دول أخري أسلحة وطائرات ودبابات، فضلا عن استخدام سلاح البترول الذي كان سلاحا عظيما وعربيا تماما في الحرب، فضلا عن مليارات الدولارات من المعونات تسلمتها مصر منذ نكسة يونيه حتي قرر الرئيس السادات أن يستبدلها بالمعونات الأمريكية. والحقيقة أن آلاف المدرسين سافروا للدول العربية للتدريس والتعليم ـ هناك وهذا معروف ومؤكد ـ ودورهم كبير وفعال لكنهم كذلك تقاضوا أجورهم ورواتبهم عن هذا العمل، وكان المدرس المصري يحلم بإعارة لدولة عربية ومن ثم لم يكن عملا تطوعيا ولا تفضلا وفضلا بلا مقابل، أسوأ من أن ينكر البعض دور مصر هو أن تمن مصر وتؤذي وتطلب مقابلا عن هذا الدور، والمؤكد أنه منذ وفاة جمال عبدالناصر وجنازته الأهم والأكبر والتي لم يشهد ولن يشهد لها التاريخ العربي مثيلا، حيث خرج الملايين في الجزائر تشييعا لزعيم العروبة كأنما يشيعون معه العروبة ميتة لمثواها الأخير، منذ هذا اليوم والشعوب العربية لم تشهد من مصر وإعلامها إلا الاستعلاء والتنابز والمعايرة والاتهام بنكران الجميل، وكأن الدول تفعل ما يمليه عليه ضميرها ومبادئها انتظارا للجميل!! فما كان من الشعوب العربية إلا أن تقلصت مشاعرها المحبة لمصر من مساحتها الواسعة الفضفاضة الفياضة واقتصرت علي حب فنانيها وفنها واكتفت بهذا الحب الذي لا يعاير فيه أحد أحدا (اللهم إلا مع بعض الغباءات المؤقتة التي سرعان ما تزوي وتزول في الساحة الفنية المصرية من بعضنا الذي تربي علي سموم السبعينيات ضد العرب).
كل ما يتمناه المرء أن يظهر جمال عبدالناصر في استاد القاهرة (ذلك الذي كان استاد ناصر قبل أن يطمسوا عن الأماكن وفاءها لصالح نفاقها )، يظهر منهجه العروبي والإسلامي (نعم والإسلامي) في التعامل مع قضية الجزائر يوم جاءه خطاب مطول من البكباشي ثروت عكاشة – ملحقنا العسكري بفرنسا وقتها – يتناول فيه الوضع الحالي للعلاقات الفرنسية المصرية علي ضوء اتصالاته بالعديد من الشخصيات الفرنسية، وأنه ضمن خطابه آراء محددة والتي تضمنت النقاط الرئيسية التالية:

أ – دور مصر في دعم الكفاح المسلح في شمال أفريقيا وما سيترتب عليه من قيام الحكومة الفرنسية باتخاذ موقف معاد عنيف ضد مصر استجابة لمطالبة الأحزاب السياسية الفرنسية والهيئات الاقتصادية.

ب- التلويح بمقاطعة فرنسا لشراء القطن المصري طويل التيلة وخسارة مصر لخمسة عشر مليوناً إسترلينياً.

جـ – نجاح فرنسا في تهدئة الموقف بتونس ومراكش بعد منحها الاستقلال وانتظار تركيز جهود فرنسا ضد ثورة الجزائر وقدرة فرنسا لتوجيه ضربة قوية والقضاء علي الكفاح المسلح مما سيوقع مصر في موقف محفوف بالمخاطر.

د – نجاح فرنسا في اكتساب مساندة أمريكا وبريطانيا مما يحمل في طياته إمكانية استعانتها بإمكانيات البلدين عسكريا وسياسيا للتأثير في الرأي العام الغربي وتزويد فرنسا بالأسلحة الحديثة.

هـ – العبء الكبير الذي تتحمله ثورة مصر لتزويد الثورة الجزائرية بالسلاح والذي يفوق قدراتها مع رجحان كفة السلطات الفرنسية باستمرار إذا ما قورنت بإمكانيات مصر خاصة بعد دعم أمريكا وبريطانيا لفرنسا.

و ـ اتهام أجهزة الإعلام الفرنسية لثورة مصر وقادتها بالقتلة والسعي لإراقة دماء أبناء الشعب الفرنسي سعيا وراء سيطرة مصر علي شمال أفريقيا وعلي حساب المصالح الفرنسية وتأثر الرأي العام الفرنسي بهذه الدعاية وامتداد تأثيرها ليشمل غالبية الرأي العام الأوروبي.

ز ـ أهمية تجنب الصدام المباشر مع حكومة فرنسا لتفادي انسياقها وراء الرأي المطالب بضرورة دعم إسرائيل عسكريا وسياسيا في مواجهة موقف القاهرة المعادي للشعب الفرنسي.

يروي السياسي المصري الراحل فتحي الديب في كتابه «عبدالناصر وثورة الجزائر»، والمعروف أن الديب كان مسئولا عن دعم الثورة الجزائرية في عصر الزعيم جمال عبدالناصر، إن خطاب ثروت عكاشة كان يهدف تقريبا لوقف الدعم لثورة الجزائر وتشجيعها علي التفاوض مع فرنسا مخافة الانتقام الفرنسي والغربي من مصر: «وتوجهت إلي منزل الرئيس في الموعد المحدد ليستقبلني الرئيس جمال بابتسامته المعتادة مرحبا وبهدوء نفسي غير عادي، وليفاجئني بأنه طرح خلاصة ما جاء بخطاب السيد ثروت عكاشة علي بعض أعضاء مجلس الثورة وناقشهم طويلا وأنه يصارحني بأن الآراء انقسمت بين معارض ومؤيد، الأمر الذي جعله يؤجل اتخاذه لقراره النهائي حتي يستمع إلي ما سأطرحه من آراء باعتباري أقرب المسئولين ارتباطا والتحاما بتطور الأحداث بالنسبة للكفاح بشمال أفريقيا، وطالبني بأن أبدأ فورا بطرح النتائج التي توصلت إليها من دراستي للخطاب توفيرا للوقت.
بدأت كلامي

أ – في شأن اقتناع السلطات الفرنسية بدور مصر الإيجابي في دعم الكفاح المسلح بشمال أفريقيا فهذا أمر واقع لا يشين ثورة 23 يوليو، بل يخدم أهداف سياستها التحررية وسيدفع جميع الدول إلي التعامل معها من موقع قدرتها علي الفعل والتأثير في مجريات الأحداث بالوطن العربي وخارجه، وفيما يتعلق باتخاذ فرنسا لمواقف مضادة فإن قناعتنا كاملة بأن السلطة الاستعمارية الفرنسية وتحت تأثير النفوذ الصهيوني الكبير المسيطر علي سياسة فرنسا لن تتواني في اتخاذ هذا الموقف متي أتيحت لها الفرصة لذلك بغض النظر عن دعمنا للكفاح المسلح، وذلك نظراً للنظرة العدائية التي تحكم عقلية المسيطرين علي سياسة فرنسا والذين يرون في استقرار ثورة مصر ونجاحها خطراً داهما يهدد مصالحهم، شأنهم في ذلك شأن باقي الدول الاستعمارية.

ب- التلويح بمقاطعة شراء القطن المصري وخسارتنا لمبلغ الخمسة عشر مليوناً من الجنيهات سنويا فالرد عليه قاطع ويؤكد عدم إمكانية إقدام المصانع الفرنسية علي هذه الخطوة التي تعني توقف هذه المصانع الفرنسية عن العمل تماماً؛ لأنها مصممة جميع ماكيناتها وآلاتها علي استخدام القطن المصري بالذات.

جـ – أما بالنسبة للقول بتفرغ فرنسا لضرب ثورة الجزائر بعد منح تونس ومراكش (المغرب ) لاستقلالهما فأمر يصعب للقوات الفرنسية تحقيقه نظرا لسيطرة جيش التحرير الجزائري علي مناطق جبلية حاكمة فشلت القوات الفرنسية في الوصول إليها، ويكفينا اعتراف نفس السلطات الفرنسية بذلك وحجم الخسائر التي تتحملها يوميا علي أيدي المكافحين، الأمر الذي أرغم جي مولييه علي طلب التفاوض وذلك بالإضافة إلي نجاحنا في تنظيم إمداد الجبهات الجزائرية بكميات كبيرة من السلاح والذخيرة مؤخرا.

د – وبشأن اكتساب فرنسا لأمريكا وبريطانيا إلي جانبها وما يعنيه من حصول فرنسا علي مساعدات عسكرية ضد الكفاح فأمر مبالغ فيه إلي حد كبير، وفي تقدير حجم هذا العون ولا يحمل في طياته أي جديد، نظرا لأن فرنسا تحارب ومنذ البداية بإمكانيات حلف الأطلنطي ومعداته وأسلحته دون أن تحقق أي نجاح.

هـ – أما عن تصور إمكانيات ثورة 23 يوليو في مجال الإمداد بالسلاح مقارنة بما تقدمه وستقدمه الدول الغربية لفرنسا فالعبرة في تقييم قدرات المناضلين لا ترتكز علي نوعية السلاح الذي يستخدمونه وعدده، بل العامل الأهم والفعال هو في صلابة الإرادة والدافع، الذي يحكم نفسية المقاتل، وكل الحقائق تؤكد أن المناضل الجزائري يقاتل بعناد وصلابة لاستخلاص حريته بينما الجندي الفرنسي يقاتل عن غير اقتناع وبلا تصميم، بل كثيراً ما يحاول التنصل من القتال حفاظا علي حياته مما يرجح كفة المقاتل الجزائري وعلي المدي الطويل.

و- وفيما يتعلق بحملة أجهزة الإعلام الفرنسية المعادية وتصويرها لنا بالقتلة فهو اتجاه طبيعي تحكمه روح الحقد والكراهية التي يحملها الاستعماريون والصهاينة المسيطرون علي أجهزة الإعلام الفرنسية والتي ناصبتنا العداء منذ تفجير ثورة 23يوليو، وإن كانت كل المعلومات المؤكدة التي وصلتنا تؤكد ثورة الرأي العام الفرنسي علي حكومته التي تزهق أرواح أبناء الشعب الفرنسي بلا نتيجة واقتناع الرأي العام الفرنسي بتضليل أجهزة الإعلام له، الأمر الذي أدي بالشعب الفرنسي إلي عدم تصديق ما تنشره أو تذيعه هذه الأجهزة، ونحن بصدد القيام بحملة مضادة لفضح جرائم القتل الجماعي التي تمارسها السلطة الاستعمارية علي أرض الجزائر مدعمين دعايتنا بالصور والمستندات.

ز- وفي مجال الرد علي عدم الدخول في صراع مباشر مع فرنسا لتفادي دفعها لدعم إسرائيل بالسلاح.. إلخ، فلاشك أننا نمتلك سلاحا قويا للضغط علي فرنسا يتمثل في المصالح الفرنسية بالوطن العربي بالإضافة إلي حجم التبادل التجاري بين فرنسا وجميع أقطار الوطن العربي 100 مليون إذا ما قورن بحجمه مع إسرائيل والذي لا يتعدي مليونين.

ح – وفي شأن الاتجاه الجديد للحكومة الفرنسية ومنحها الاستقلال لتونس ومراكش واستعدادها لمنح الجزائر نوعا من الاستقلال الذاتي فأمر مشكوك فيه استنادا إلي المعلومات المؤكدة التي وصلتنا علي لسان بعض المسئولين الفرنسيين والتي كشفت عن أن مخطط السلام ما هو إلا خطوة مرحلية لتهدئة جناحي الكفاح المسلح للتركيز علي الجزائر أملا في توجيه ضربة قاضية لتعود وتتراجع فيما منحته للجناحين تونس ومراكش.

ويكمل المناضل المصري الناصري الأفريقي فتحي الديب روايته في كتابه قائلا: استمع الرئيس عبد الناصر لحديثي الطويل والذي استغرق ما يزيد علي ساعة كاملة بإمعان دون مقاطعة لي، وبدأ الرئيس جمال تعليقه لي أنه سبق وأن أوضح لي أن حرية مصر تظل ناقصة بلا حرية باقي أقطار الوطن العربي، والحرية في مفهومنا لابد وأن تترجم في صورة تضحيات ولن يتحرر الوطن العربي بلا تضحيات، وواجب كل شعب عربي يتحرر أن يتحمل نصيبه من هذه التضحيات، وهذه عقيدة كل الثوار المؤمنين، واستطرد ليقول إنه استمع إلي كل ما طرحته من قناعات وهي لا تختلف كثيرا عما وصل إليه في تحليله للموقف؛ بل يكاد يتطابق وعليه فإليك قراري النهائي: وكان نصه:
«الاستمرار في دعم الكفاح المسلح الجزائري بكل طاقاتنا وقدراتنا المتاحة مهما كانت التضحيات التي يتحملها الشعب الجزائري ونتحملها نحن معه كشعب مصر وهذا حقه علينا كثورة تحررية رائدة في الوطن العربي قامت لا لتحرر أرض مصر وحدها بل لتحرر كل الأرض العربية».
وانتقل الرئيس ليعطيني توجيهاته وكان منها البدء في إنشاء إذاعة موجهة باللغة الفرنسية للشعب الفرنسي والجزائري لكشف حقائق الدعايات المضللة الفرنسية وإعلان الحقائق أولاً بأول. وموافقته علي استخدام الطائرات في تهريب الأسلحة جوا إلي الجبهات الداخلية بالجزائر، وذلك من حيث المبدأ، تاركا لي وضع جميع تفاصيل أسلوب العمل علي أن أوافيه بالخطة تفصيلا حين الانتهاء من إعدادها وتجهيز متطلباتها. وقيام مصلحة الاستعلامات بإصدار نشرة يومية لتغطي ما تنشره جرائد إيطاليا وفرنسا وإذاعتهما فيما يختص بكل شئون الكفاح المسلح بشمال أفريقيا والرد عليها مع الاستفادة بصوت العرب والإذاعة المنتظر توجيهها باللغة الفرنسية وكذا أجهزة الإعلام المصرية لدحض وكشف أباطيل الدعاية الفرنسية. والعمل علي تهريب أكبر كمية من السلاح والذخيرة لداخل الجزائر لتغطية جميع احتياجات جيش التحرير وتسليح جميع مناضليه مع توفير احتياطي مناسب لمواجهة أي طارئ. وغادرت منزل الرئيس في الثالثة بعد ظهر يوم الأربعاء 16 مارس 1956 لأباشر علي الفور تنفيذ كل ما تلقيته من توجيهات والسعادة تغمر قلبي بقرار الرئيس جمال عبد الناصر التاريخي وما أكده من معانٍ وقيم ثورية.
عندما تتحدثون عن مباراة مصر والجزائر المقبلة وعندما تذهبون للاستاد لمشاهدتها وعندما تنطلق صفارة الحكم معلنة نهاية المباراة.. تذكروا أن جمال عبدالناصر ومصر لم تكن تمنح الجزائر منحة بل كانت تفعل ما يمليه عليها الضمير والواجب وليس بسبب عبدالناصر، نطالب الجزائر بأن تتخلي عن حلم الوصول لكأس العالم، فلتكن مباراة الجزائر مع مصر هي مباراة متوترة وحرجة ومكهربة ومنفعلة وكأنها بين جزائر الإسماعيلي ومصر الأهلي، وسأترك لي فرصة أن أشجع ضمن مرات نادرة الأهلي أمام الإسماعيلي خصوصا أن معظم نجوم الأهلي في المنتخب هم أبناء الإسماعيلي سواء بركات وسيد معوض وشريف عبدالفضيل وأحمد فتحي وأحمد حسن، وأضف إليهم عصام الحضري وهاني سعيد وحسني عبدربه، يبقي في بيتها والله!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: