حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود(4)

حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود(4)
الفصل الخامس عشر

كلمة لا إله إلاالله

قال صاحبي :
ألست معي في أنكم تبالغون كثيرًا في استخدام كلمة لا إله إلا الله وكأنها مفتاح لكل باب .. تشيعون بها الميت وتستقبلون الوليد وتطبعونها على الأختام وتنقشونها على القلائد وتصكون بها العملات وتعلقونهاعلى الجدران .. من ينطق بها منكم تقولون أن جســمه أعتق من النار .. فإذا نطق بها مائة ألف مرة دخل الجنة وكأنها طلسم سحري أو تعويذة لطرد الجن أو قمقم لحبس المردة.. ثم هذه الحروف التي لا تعرفون لها معنى .. ا . ل . م .. كهيعص .. طسم .. حم.. الر.

هل أنجو من العذاب إذا قلت لا إله إلا الله .. إذن فإنى أقولها وأشهدك وأشهد الحضور على ذلك .. لا إله إلا الله .. هل انتهي الأمر.
بل أنت لم تقل شيئـًا.
إن لا إله إلا الله لمن يعمل بها وليست لمن يشقشق بها لسانه..لا إله إلا الله منهج عمل وخطة حياة وليست مجرد حروف .. ودعنا نفكر قليلاً في معناها .. إننا حينما نقول لا إله إلا الله نعنى أنه لا معبود إلا الله وبين لاوإلا بين النفي والإثبات في العبارة بين هاتين الدفتين تقع العقيدة كلها لا النافية تنفي الألوهية عن كل شيء .. عن كل ما نعبد من مشتهيات في الدنيا .. عن المال والجاه والسلطان واللذات وترف العيش والنساء الباهرات والعز الفاره .. لكل هذا نقول لا.. لا نعبدك .. لست إلهًا .. ثم نقول لا لنفوسنا التي تشتهي تلك الأشياء لأن الإنسان يعبد نفسه في العادة ويعبد رأيه ويعبد هواه واختياره ومزاجه ويعبد ذكاءه ومواهبه وشهرته ويتصور أن بيده مقاليد الأمور وأقدار الناس والمجتمع .. ويجعل من نفسه إلهًا دون أن يدرى .. لهذه النفس نحن نقول لا .. لا نعبدك .. لست إلهًا.

نقول((لا)) – للمدير والرئيس والحاكم .. لا لست إلهًا.
ومعنى كلمة ((إله)) أي((فاعل)) .. والفاعل بحق عندنا هو الله، أما كل هذه الأشياء فوسائط وأسباب، المديروالوزير والرئيس والمال والجاه والسلطان والنفس بذكائها ومواهبها .. لكل هذا نقول لا .. لست إلهًا.

((إلا)) – واحد نستثنيه ونثبت له تلك الفاعلية والقدرة هـــو الله.
وبين لا وإلا بين هذا النفي وهذا الإثبات تقع العقيدة كلها فمن كان مشغولاً بجمع المال وتكديس الثروات وتملق السلطان والتزلف للرؤساء وتحرى اللذات واتباع هوى نفسه وتعشق رأيه والتعصب لوجهة نظره .. فهو لم يقل لا لكل هــذه المعبودات وهو ساجد في محرابها دون أن يدرى وحينما يقول لا إله إلا الله فهو يقولها كاذبًا .. يقول بلسانه ما لا يفعل بيديه ورجليه.
ومعنى (( لا إله إلا الله)) أنه لا حسيب ولا رقيب إلا الله .. هو وحده الجدير بالخشية والخوف والمراقبة.. فمن كان يخاف المرض ومن كان يخاف الميكروب ومن كان يخاف عصا الشرطي وجند الحاكم فإنه لم يقل ((لا)) .. لكل تلك الآلهة الوهمية .. وإنما هو مازال ساجدًا لها وقد أشرك مع خالقه كل تلك الآلهة المزيفة .. فهو كاذب في كلمة (( لا إله إلا الله)) .

ومعنى ذلك أن (( لا إله إلا الله )) عهد ودستور ومنهج حياة.

والمقصود بها .. العمل بها.

فمن عمل بها كانت له طلسمًا بالفعل يفتح له كل الأبواب العصية .. وكانت نجاة في الدنيا والآخرة ومدخلاً إلاالجنة.
أما نطق اللسان بدون تصديق القلب وعمل الجوارح .. فإنه لا يغنى.
و (( لا إله إلا الله )) تعنى أكثر من هذا موقفًا فلسفيًا.
يقول الدكتور زكى نجيب محمود أن (( شهادة لا إله إلا الله )) تتضمن الإقرار بثلاث حقائق.. أن الشاهد موجود والمشهود موجود .. والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة موجودون أيضًا أي أنها إقرار صريح بأن الذات والله والآخرين لهم جميعًا وجود حقيقي.
وبهذا يرفض الإسلام الفلسفة المثالية كما يرفض الفلسفة المادية في ذات الوقت .. يرفض اليمين واليسار معًا ويختار موقفـًا وسطا.
يرفض المثالية الفلسفية .. لأن المثالية الفلسفية لا تعترف بوجود الآخرين ولا بوجود العالم الموضوعي كحقيقة خارجية مستقلة عن العقل .. وإنما كل شيء في نظر الفلسفة المثالية يجرى كأنه حلم في دماغ .. أو أفكار في عقل .. أنت والراديو والشارع والمجتمع والصحيفة والحرب كلها حوادث ومرائى وأحلام تجرى في عقليّ .. لا وجود حقيقي للعــالم الخارجى.

وهذا الموقف المثالى المتطرف يرفضه الإسلام وترفضه الشهادة لأنها كما قلنا إقرار صريح بان الشاهد والمشهود والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة أي الذات والله والآخرين حقائق مقررة.
كما يرفض الإسلام أيضًا الفلسفة المادية لأن الفلسفة المادية تعترف بالعالم الموضوعي ولكنها تنكر ما وراءه .. تنكرالغيب والله.
والإسلام بهذا يقدم فلسفة واقعية وفكرًا واقعيًا فيعترف بالعالم الموضوعي ثم يضيف إلى هذا العالم كل الثراء الذي يتضمنه الوجود الإلهي الغيبي .. ويقدم تركيبًا جدليًا جامعًا بين فكر اليمين وفكر اليسار في فلسفة جامعة ما زالت تتحدى كل اجتهاد المفكرين فتسبق ما سطروا من نظريات ظنية لا تقوم على يقين.
شهادة (( لاإله إلا الله )) تعنى إذن منهج حياة وموقفًا فلسفيًا.
ولهذا فأنت تكذب وأنت الرجل الماديّ الذي اخترت موقفـًا فلسفــيـًا ماديـًا وأنت تنطق بالشهادة كذبتين :
الكذبة الأولى – أنك تشهد بما ينافي فلسفتك.
والكذبة الثانية – أنك لا تعمل بهذه الشهادة في حياتك قدر خردلة.

أماحكاية .. ا . ل . م .. وكهيعص . حم . الر . فدعنى أسألك .. وما حكـاية س ص ولوغاريتم ومعادلة الطاقة ط = ك × س2 وهي ألغاز وطلاسم بالنســبة لمن لا يعرف شيئـًا في الحساب والجبر والرياضيات .. وعند العالمين لها معانى خطيرة.

كذلك هذه الحروف حينما يكشف لنا عن معناها.

قال صاحبي في سخرية :
وهل كشف لك عن معناها ؟

قلت وأنا ألقى بالقنبلة :
هذه موضوع مثيريحتاج إلى كلام آخر طويل سوف يدهشك.

الفصل السادس عشر

كـــهـــيــعــص

قلت لصديقي الملحد :
لا شك أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور قد صدمتك حينما طالعتها لأول مرة .. هذه الـ حم ، طسم ، الم ، كهيعص ، ق ، ص .. ترى ماذا قلت لنفسك وأنت تقرأها ؟اكتفى بأن يمط شفتيه في لا مبالاة ويقول في غمغمة مبتورة :
يعنى.
يعنى ماذا.
يعنى .. أي كلام يضحك به النبي عليكم.
حسنـًا دعنا نختبر هذا الكلام الذي تدعى أنه كلام فارغ والذي تصورت أن النبي يضحك به علينا.
ودعنا نأخذ سورة صغيرة بسيطة من هذه السور .. سورة ق مثـلاً .. ونجرى تجربة .. فنعد ما فيها من قافات وسنجد أن فيها 57 قافـًا .. ثم نأخذ السورة التالية وهي سورة الشورى وهي ضعفها في الطول وفي فواتحها حرف ق أيضـًا .. وسنجد أن فيها هى الأخرى 57 قافـًا.
هل هي صدفة .. لنجمع 57 + 57 = 114 عدد سور القرآن .. هل تذكر كيف تبدأ سورة ق .. وكيف تختتم .. في بدايتها (( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)) وفي ختامها .. ((فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ )) .. وكأنما هي إشارات بأن ق ترمز للقرآن .. ( ومجموع القافات 114 وهي مجموع سور القرآن).
قال صاحبي في لا مبالاة :
هذه أمور من قبيل الصدف
قلت في هدوء :
سنمضى في التجربة ونضع ســور القرآن في العقل الإلكترونيّ ونسأله أن يقدم لنا احصائية بمعدلات توارد حرف القاف في جميع السور.

قال وقد توترت أعصابه وتيقظ تمامـًا :

وهل فعلوها ؟
قلت في هدوء :
نعم فعلوها.
وماذا كانت النتيجة ؟
قال لنا العقل الإلكترونيّ أن أعلى المتوسطات والمعدلات موجودة في سورة ق وأن هذه السورة قد تفوقت حسابيـًا على كل المصحف في هذا الحرف.. هل هي صدفة أخرى ؟
غريب.
وســورة الرعـد تبدأ بالحرف ا ل م ر قدم لنا العقل الإلكترونيّ احصائية بتوارد هذه الحروف في داخل الســور كالآتى :
ا ترد 625 مرة.
ل ترد 479 مرة.
م ترد 260 مرة.
ر ترد 137 مرة.
هكذا وفي ترتيب تنازلى ا ثم ل ثم م ثم ر .. بنفس الترتيب الذي كتبت به ا ل م ر تنازليـًا ثم قام العقل الإلكترونيّ بإحصاء معدلات توارد هذه الحروف في المصحف كله .. وألقى إلينا بالقنبلة الثانية .. أن أعلى المعدلات والمتوسطات لهذه الحروف هي في سورة الرعد.. وأن هذه السورة تفوقت حسابيـًا في هذه الحروف على جميع المصحف.

نفس الحكاية في ا ل م البقرة.
ا وردت 4592 مرة.
ل وردت 3204 مرات.
م وردت 2195 مرة.
بنفس الترتيب التنازلى ا ل م.
ثم يقول لنا العقل الإلكترونيّ أن هذه الحروف الثلاثة لها تفوق حسابي على باقي الحروف في داخل سورة البقرة.
نفس الحكاية في ا ل م سورة آل عمران.
ا وردت 2578 مرة.
ل وردت 1885 مرة.
م وردت 1251 مرة.
بنفس الترتيب التنازلى ا ل م وهي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف.

نفس الحكاية ا ل م سورة العنكبوت.
ا وردت 784 مرة.
لوردت 554 مرة.
م وردت 344 مرة.
بنفس الترتيب التنازلى ا ل م وهي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف.
نفس الحكاية في ا ل م سورة الروم.
ا وردت 547 مرة.
ل وردت 396 مرة.
م وردت 318 مرة.
بنفس الترتيب ال م ثم هي تتوارد في السورة بمعدلات أعلى من باقي الحروف.
وفي جميع السورالتي ابتدأت بالحروف ا ل م نجد أن السور المكية تتفوق حسابيـًا في معدلاتها على باقي السور المكية، والمدنية تتفوق حسابيـًا في معدلاتها من هذه الحروف على باقي السور المدنية.

وبالمثل في ا ل م ص سورة الأعراف.
يقول لنا العقل الإلكترونيّ أن معدلات هذه الحروف هي أعلى ما تكون في سورة الأعراف، وأنها تتفوق حسابيـًا على كل السور المكية في المصحف.

وفي سورة طـه نجد أن الحرف طـ والحرف هـ يتواردان فيها بمعدلات تتفوق على كل السور المكية .. وكذلك في كهيعص مريم ترتفع معدلات هذه الحروف على كل السور المكية في المصحف.

كما نجد أن جميع السور التي افتتحت بالحروف حـم .. إذا ضمت إلى بعضها فإن معدلات توارد الحرف ح والحرف م تتفوق على كل السور المكية في المصحف.

وبالمثل السورتان اللتان افتتحتا بحرف ص وهما سورة ص والأعراف “ا ل م ص” ويلاحظ أنهما نزلتا متتابعتين في الوحي .. إذا ضمتا معـًا تفوقتا حسابيـًا في هذه الحروف على باقي المصحف.

وكذلك السور التي افتتحت بالحروف ا ل ر وهي إبراهيم ويونس وهود ويوسف والحجر وأربع منها جاءت متتابعة في تواريخ الوحي .. إذا ضمت لبعضها .. أعطانا العقل الإلكترونيّ أعلى معدلات في نسبة توارد حروفها ا ل ر على كل السور المكية في المصحف.

أما في سورة يـس فإننا نلاحظ أن الدلالة موجودة ولكنها انعكست .. لأن ترتيب الحروف انعكس؛ فالياء في الأول يـس “بعكس الترتيب الأبجدي”.
ولهذا نرى أن توارد الحرف ي والحرف س هو أقل من توارده في جميع المصحف مدنيـًا ومكـيًا.
فالدلالة الإحصائية هنا موجودة ولكنها انعكست.

كان صاحبي قد سكت تمامـًا.
قلت وأنا أطمئنه :
أنا لا أقول هذا الكلام من عند نفسي وإنما هي دراسة قام بها عالم مصريّ في أمريكا هو الدكتور رشاد خليفة..
وهذا الكتاب الذي بين يديك يقدم لك هذه الدراسة مفصلة :
Miracle of Quran
slamic Productions international in St. Louis mo

وقدمت إليه كتابًا إنجليزيًا مطبوعًا في أمريكا للمؤلف.
أخذ صاحبي يقلب الكتاب في صمت.
قلت :
لم تعد المسألة صدفة .. وإنما نحن أمام قوانين محكمـة وحروف محسوبة كل حرف وضع بميزان ورحت أتلوعليه من سورة الشورى :

{اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } الشورى – 17.

وأي ميـــزان .. نحن هنا أمام ميزان يدق حتى يزن الشعرة والحرف .. أظن أن فكرة النبي الذي يؤلف القرآن ويقول لنفسه سلفـًا سوف أؤلف ســورة الرعد من حروف ا ل م ر وأورد بها أعلى معدلات من هذه الحروف على باقي الكتاب وهو لم يؤلف بعد الكتاب مثل هذا الظن لم يعد جائزًا .. وأين هذا الذي يحصى له هذه المعدلات وهي مهمة لا يستطيع أن يقوم بها إلا عقل إلكتروني ولو تكفل هو بها فإنه سيقضى بضع سنين ليحصى الحروف في سورة واحدة يجمع ويطرح بعلوم عصره وهولا يعرف حتى علوم عصره وهو سيؤلف أو يشتغل عدادًا للحروف.

نحن هنا أمام استحالة.

فإذا عرفنا أن القرآن نزل مفرقـًا ومقطعًا على23 سنة..
فإنا سوف نعرف أن وضع معدلات إحصائية مسبقة بحروفه هي استحالة أخرى .. وأمر لا يمكن أن يعرفه إلاالعليم الذي يعلم كل شيء قبل حدوثه والذي يحصى بأسرع وأدق من كل العقول الإلكترونية.. الله الذي أحاط بكل شيء علمًا .. وما هذه الحروف المقطعة في فواتح السور إلا رموز علمه بثها في تضاعيف كتابه لنكشفها نحن على مدى الزمان.
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } فصلت- 53

ولا أقول أن هذه كل أسرار الحروف .. بل هي مجرد بداية لا أحد يدرى إلى أي آفاق سوف توصلنا.

وهذه الحروف بهذه الدلالة الجديدة تنفي نفيًا باتًا شبهة التأليف.

ثم هي تضعنا أمام موازين دقيقة ودلالات عميقة لكل حرف فلا يجرؤ أحدنا أن يقول أنه أمام .. أي كلام .. ألا ترى يا صاحبي أنك أمام كلام لا يمكن أن يكون أي كلام.

ولم يجب صاحبي، وإنما ظل يقلب الكتاب الإنجليزى ويتصفحه ثم يعود يقلبه دون أن ينطق بحرف00!!!


الفصل السابع عشر

المعجزة

قال صاحبي :
لا أفهم كيف يجوز للرب الرحيم الذي تصفونه بأنه رءوف ودود كريم عفو غفور.. كيف يأمر هذا الرب نبيه الخليل المقرب إبراهيم بأن يذبح ولده .. ألا ترى معي أن هذه مسألة صعبة التصديق ؟


القصة تدل من سياقها وأحداثها على أن مراد الله من إبراهيم لم يكن ذبح ابنه، بدليل أن الذبح لم يحدث وإنما كان المراد أن يذبح إبراهيم شغفه الزائد بابنه ..ومحبته الزائدة لابنه.. وتعلقه الزائد بابنه إذ لا يجوز أن يكون في قلب النبي تعلق بغير الله.. لا دنيا ولا ولد ولا جاه ولا سلطان.. كل هذه الأمور لا يصح أن يتعلق بها قلب النبي..
وكما هو معلوم كان إسماعيل قد جاء لأبيه إبراهيم على كبر وعلى شيخوخة.. فشغف به الشيخ وتعلق به..
فجاء امتحان الله لنبيه ضروريا ً .. وما حدث في القصة يدل على سلامة هذا التفسير..
فما إنصدع النبي لأمر ربه وأشرع سكينه ليذبح ولده حتى جاء أمر السماء بالفداء.

ومارأيك في معجزات إبراهيم العجيبة ودخوله النار دون أن يحترق .. وما فعله موسى من بعده

حينما أخرج من عصاه ثعباناً ثم حينما شق بهذه العصا البحر، ثم حينما أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي بيضاء.. ألا تبدو هذه الأمور وكأنها عرض بهلواني في سيرك..وكيف يدلل الله على قدرته وعظمته بهذه البهلوانيات التي هي في حد ذاتها صنوف من اللا معقول.. وأمثلة من خرق النظام.. ألا يبدو أن البرهان الأقوى على عظمة الله هوالنظام والعقل والانضباط والقوانين في سريانها الجميل في الكون دون أن تخرق..
لقد فهمت المعجزة خطأ وتصورتها خطأ.

المعجزة في تصورك عمل بهلواني وخرق للقانون،ولا معقول، ولكن الحقيقة غير ذلك.
ودعني أقرِّب الموضوع إلى ذهنك بمثَل.. لو أنه قُدِّر لك أن تعود ثلاثة آلاف سنة إلى الوراء، ثم تدخل على فرعون مصر في ذلك الزمن البائد ومعك ترانزستور في حجم علبة الثقاب يتكلم ويغني من تلقاء نفسه.. ترى ماذا سيكون حال فرعون وحاشيته؟.. سيهتفون في ذهول بلا شك معجزة..
سحر.. لا معقول.. خرق لجميع القوانين..
ولكننا نعلم الآن أنه لا إعجاز في الموضوع ولا سحر، ولا خرق لأي قانون.. بل إن ما يحدث في داخل الترانزستور هو أمر يجري حسب قوانين في علم الإلكترونيات.. وإنه معقول تماماً وسيكون الأمر أعجب لو أنك دخلت على ملك بابل وفي يدك تليفزيون ينقل الصور من بلاد الروم.. وسوف يصفق ملك آشور عجباً لو أنك أدرت له أسطوانة بلاستيك فتكلمت.

بل إن التاريخ ليحفظ لنا قصة مماثلة حينما نزل المستعمرون أفريقيا.. وحطت أول طائرة لهم في الغابة وسط البدائيين.. ماذا حدث؟ سجدالزنوج العراة على وجوههم ودقوا الطبول وذبحوا القرابين وظنوا أن الله نزل من سماواته وتصوروا فيما يحدث خرقاً لجميع القوانين.. مع أننا نعلم الآن أن الطائرة تطير بقانون وتنزل بقانون.. وأنها مصممة حسب القوانين الهندسية المحكمة، وأن طيرانها أمر معقول تماماً، وأنها لا تخرق قانون الجاذبية، وإنما تتجاوز هذا القانون بقانون آخر هو قانون الفعل ورد الفعل..
نحن إذن أمام تفاضل قوانين وليس أمام خرق قوانين.. والماء يصعد في ساق النخلة ضد الجاذبية ليس بخرق هذه الجاذبية وإنما بمجموعة قوانين فسيولوجية تتفاضل معها.. هي قانون تماسك العمود المائي وقانون الخاصة الشعرية، وقانون الضغط الأزموزي، وهي جميعها قوانين تؤدي إلى شد الماء إلى أعلى.

نحن دائماً لا نخرج عن العقل ولا عن المعقول، وما حدث لم يكن بهلوانيات..وإنما كانت دهشة الزنوج البدائيين مردها جهلهم بهذه القوانين.. وكذلك دهشتك أمام شق موسى للبحر وإخراجه للثعبان من العصا، وإحياء عيسى للموتى، ودخول إبراهيم للناربدون أن يحترق.. تصورت أنها لا معقول وخرق للقوانين، وبهلوانيات.. في حين أنها تجري جميعها على وفاق المشيئة الإلهية التي تتفاضل مع جميع القوانين التي نعرفها.. وهي إذن صنوف من النظام.. ومن المعقول.. ولكن أعلى من مداركنا والله لا يهدم النظام بهذه المعجزات، وإنما يشهدنا على نظام أعلى، وقوانين أعلى، وعقل أكبر من استيعابنا،ومشيئة أعلى من ذلك كله.

وقد وقع البهائيون في نفس غلطتك حينما رفضواالمعجزات، وتصوروا أن قبولها فيه امتهان للعقل، وازدراء بالعقل، فتحايلوا على القرآن وحرّفوا معانيه عن ظاهرها، فموسى لم يشق البحر بعصاه، وإنما كانت عصاه هي الشريعة التي فرقت الحق من الباطل، وبالمثل كانت يده البيضاء هي رمز ليد الخير..وبالمثل أحيا عيسى النفوس ولم يحي الأجساد.. وفتح العقول ولم يفتح العيون العمى..وبهذا أخرجوا القرآن عن معانيه الحرفية إلى تأويلات وتفسيرات مجازية ورمزية كلما اصطدموا بشيء لم يعقلوه..
وكان هذا لأنهم أخطأوا فهم المعجزة وتصوروا أنها لامعقول، وخرق للقانون، وهدم للنظام، وهو نفس ما وقعت فيه.

والحق أننا نعيش في عصر لم تعد تستغرب فيه المعجزات.
وقد رأينا العلم يأخذ بيدنا إلى سطح القمر، وإذا كان العلم البشري أعطانا كل هذا السلطان، فالعلم الإلهي اللدني لا شك يمكن أن يمدنا بسلطان أكبر.. استمع إلى هذه الآية الجميلة :
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } 33/ سورة الرحمن
وهذا هو السلطان.. العلم البشري.. وأعظم منه العلم الإلهي

الفصل الثامن عشر

معنى الدين

قال صاحبي :
– اسمع .. إذا كانت عندكم جنة كما تقولون.. فأنا أول واحد سوف يدخلها فأنا أكثر دينا ً من كثير من دعاتكم من أصحاب اللحى والمسابح إياهم..

أكثر ديناً.. ماذا تعني بهذا ؟

أعني أني لا أؤذي أحداً ولا أسرق، ولا أقتل، ولا أرتشي، ولاأحسد، ولا أحقد، ولا أضمر سوءاً لمخلوق، ولا أنوي إلاّ الخير، ولا أهدف إلاّ إلى النفع العام.. أصحو وأنام بضمير مستريح وشعار حياتي هو الإصلاح ما استطعت.. أليس هذا هو الدين؟ ألا تقولون عندكم إن الدين المعاملة؟..
هذا شيء له اسم آخر..اسمه حسن السير والسلوك.. وهو من مقتضيات الدين ولكنه ليس الدين، إنك تخلط بين الدين وبين مقتضايته.. والدين ليس له إلا معنى واحد هو معرفة الإله.. أن تعرف إلهك حق المعرفة، ويكون بينك وبين هذا الإله سلوك ومعاملة.. أن تعرف إلهك عظيماً جليلاً قريباً مجيباً يسمع ويرى فتدعوه راكعاً ساجداً خاشعاً خشوع العبد للرب.. هذه المعاملة الخاصة بينك وبين الرب هي الدين.. أما حسن معاملتك لإخوانك فهي من مقتضيات هذا التدين وهي في حقيقة الأمر معاملة للرب أيضاً..
يقول نبينا عليه الصلاة والسلام:” إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل”..

فمن أحب الله أحب مخلوقاته وأحسن إليها.. أما إذا اقتصرت معاملاتك على الناس لا تعترف إلا بهم ولا ترى غيرهم.. ولا ترى غير الدنيا فأنت كافر تماماً وإن أحسنت السير والسلوك مع هؤلاء الناس.. إنما يدل حسن سيرك وسلوكك على الفطانة والسياسة والكياسة والطبع اللبيب وليس على الدين فأنت تريد أن تكسب الناس لتنجح في حياتك، وحسن سيرك وسلوكك ذريعة إلى كسب الدنيا فحسب.. وهذه طباع أكثر الكفار أمثالك.
– صدقني أنا أشعرأحياناً بأن هناك قوة..
– قوة!
– نعم .. ثمة قوة مجهولة وراء الكون.. أنا أؤمن تماماً بأن هناك قوة..
– وما تصورك لهذه القوة.. أتتصورها كائناً يسمع ويرى ويعقل ويتعهد مخلوقاته بالرعاية والهداية، وينزل لهم الكتب ويبعث لهم الرسل ويستجيب لصرخاتهم وتوسلاتهم ؟
– بصراحة أنا لا أصدق هذا الكلام ولا أتصوره، وأكثر من هذا أراه ساذجاً لا يليق بهذه القوة العظيمة..
– إذن فهي قوة كهرمغنطيسية عمياء تسوق الكون في عبثية لا خلاق لها.. وهذه هي الصفة التي تليق بقوتك العظيمة..
– ربما..
– بئس ما تصورت إلهك.. خلق لك البصر فتصورته أعمى.. وخلق لك الرشد فتصورته عابثاً أخرق.. والله إنك الكافر بعينه، ولو أحسنت السير والسلوك مدى الدهر.. وإنّ أعمالك الصالحة مصيرها الإحباط يوم الحساب وأن تتبدد هباء ً منثوراً..
– ألايكون هذا ظلماً..؟
– بل هو عين العدل.. فقد تصورت هذه الأعمال من ذاتك ليس وراءها الهادي الذي هداك والرشيد الذي أرشدك فظلمت إلهك.. أنكرت فضله.. وهذا هوالفرق بين طيبات المؤمن وطيبات الكافر، إذا استوى الاثنان في حسن السير والسلوك الظاهر.. فكلاهما قد يبني مستشفى لعلاج المرضى.. فيقول الكافر : أنا بنيت هذاالمستشفى العظيم للناس..
ويقول المؤمن : وفقني ربي إلى بناء هذا المستشفى للناس وما كنت إلا واسطة خير..
وما أكبر الفرق.. واحد أسند الفضل لصاحب الفضل ولم يبق لنفسه فضلاً إلا مجرد الوساطة وحتى هذه يشكر عليها الله ويقول : أحمدك يا ربي أن جعلتني سبباً.. والآخر أسند الفضل لنفسه وراح يقول : أنا.. أنا.. أنا كل شيء.. فارق كبير بين الكبرياء والتواضع.. وبين العلو وخفض الجناح..
بين الجبروت والوداعة..ولهذا فأنتم في ديانتكم الوثنية وإيمانكم بهذه القوة الكهرمغنطيسية العمياء لاتصلون ولا تسجدون..
– ولماذا نصلي ولمن نصلي..؟ إني لا أرى لصلاتكم هذه أي حكمة.. ولماذا كل تلك الحركات أما كان يكفي الخشوع..؟


– حكمة الصلاة أن يتحطم هذا الكبرياء المزيف الذي تعيش فيه لحظة سجودك وملامسة جبهتك التراب وقولك بلسانك وقلبك : ” سبحان ربي الأعلى “.. وقد عرفت مكانك أخيراً وأنك أنت الأدنى وهوالأعلى.. وأنك تراب على التراب.. وهو ذات منزهة من فوق سبع سماوات..
أما لماذا الحركات في الصلاة، ولماذا لا نكتفي بالخشوع القلبي فإني أسألك بدوري :
ولماذاخلق لك الجسد أصلاً.. ولماذا لا تكتفي بالحب الشفوي فتريد أن تعانق وتقبل..
لماذا لا تكتفي بالكرم الشفوي فتجود باليد والمال.. بل خلق الله لك الجسد إذا كان خشوعك صادقاً فاض على جسدك فركعت وسجدت.. وإن كان خشوعك زائفاً لم يتعد لسانك..

– هل تعتقد أنك ستدخل الجنة..؟
– كلنا سنرِدُ النار.. ثم ينجي الله الذين اتقوا.. ولا أعرف هل اتقيت أم لا ؟.. يعلم هذا علام القلوب.. وكل عملي– للأسف – حبر على ورق..
وقد يسلم العمل ولا تسلم النية.. وقد تسلم النية ولا يسلم الإخلاص.. فنظن الواحد منا أنه يعمل الخير لوجه الله وهو يعمله للشهرة والدنيا والجاه بين الناس.. وما أكثر ما يخدع الواحد منا في نفسه ويدخل عليه التلبيس وحسن الظن والاطمئنان الكاذب من حيث لا يدري.. نسأل الله السلامة..

– وهل يستطيع الإنسان أن يكون مخلصاً ؟
– لا يملك ذلك من تلقاء نفسه.. وإنما الله هو الذي يخلص القلوب.. ولهذا يتكلم القرآن في أكثر الآيات عن المخلَصين – بفتح اللام – وليس المخلِصين بكسر اللام.. ولكن الله وعد بأن ” يهدي إليه من ينيب ” أي كل من يؤوب ويرجع إليه.. فعليك بالرجوع إليه.. وعليه الباقي..

الفصل التاسع عشر

فزنا بسعادة الدنيا وفزتم بالأوهام

قال صاحبي .. وكانت في نبرته فرحة رجل منتصر :
– مهما اختلفنا ومهما طال بنا الجدل فلا شك أننا خرجنا من معركتنا معكم منتصرين فقد فزنا بسعادة الدنيا وخرجتم أنتم ببضعة أوهام في رؤوسكم .. وماذا يجدي الكلام وق دخرجنا من الدنيا بنصيب الأسد .. فلنا السهرة والسكرة والنساء الباهرات والنعيم الباذخ واللذات التي لا يعكرها خوف الحرام .. ولكم الصيام والصلاة والتسابيح وخوف الحساب .. من الذي ربح ؟

هذا لو كان ما ربحتموه هو السعادة .. ولكن لوفكرنا معًا في هدوء لما وجدنا هذه الصورة التي وصفتها عن السهرة والسكرة والنساء الباهرات والنعيم الباذخ واللذات التي لا يعكرها خوف الحرام .. لما وجدنا هذه الصورة إلا الشقاء بعينه.

الشقاء .. وكيف ؟

لأنها في حقيقتها عبودية لغرائز لا تشبع حتى تجوع، وإذا أتخمتها أصابها الضجر والملال وأصابك أنت البلادة والخمول .. هل تصلح أحضان امرأة لتكون مستقر سعادة، والقلوب تتقلب والهوى لا يستقر على حال والغواني يغرهن الثناء .. وما قرأنا في قصص العشاق إلا التعاسة فإذا تزوجوا كانت التعاسة أكبر وخيبة الأمل أكبر لأن كلا من الطرفين سوف يفتقد في الآخر الكمال المعبود الذي كان يتخيله .. وبعد قضاء الوطر وفتور الشهوة يرى كل واحد عيوب الآخر بعدسة مكبرة ..

وهل الثراء الفاحش إلا عبودية إذ يضع الغنى نفسه في خدمة أمواله وفي خدمة تكثيرها وتجميعها وحراستها فيصبح عبدها بعد أن كانت خادمته .. وهل السلطة والجاه إلا مزلق إلى الغرور والكبر والطغيان .. وهل راكب السلطان إلا كراكب الأسد يوما هو راكبه ويوما هو مأكوله ..

وهل الخمر والسكر والمخدرات والقماروالعربدة والجنس بعيدًا عن العيون وبعيدًا عن خوف الحرام سعادة .. وهل هي إلا أنواع من الهروب من العقل والضمير وعطش الروح ومسئولية الإنسان بالإغراق في ضرام الشهوة وسعار الرغبات .. وهل هو ارتقاء أم هبوط إلى حياة القرود وتسافد البهائم وتناكح السوائم ..
صدق القرآن إذ يقول عن الكفار .. أنهم :

((يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ )) محمد – 12.

فهو لم ينكر أنهم يتمتعون ولكن كما تتمتع الأنعام ـ وكما ترعى السوائم.. وهل هذه سعادة ـ وهل حياة الشهوة تلك إلا سلسلة من الشبق والتوترات والجوع الأكال والتخمة الخانقة لا تمت إلى السعادة الحقة بسبب ..

وهل تكون السعادة الحقة إلا حالة من السلام والسكينة النفسية والتحرر الروحي من كافة العبوديات .. وهل هي في تعريفها النهائى إلا حالة صلح بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخرين وبين الإنسان والله ..

وهذه المصالحة والسلام والأمن النفسي لا تتحقق إلا بالعمل .. بأن يضع الإنسان قوته وماله وصحته في خدمة الآخرين وبأن يحيا حياة الخير والبر نية وعملاً وأن تتصل العلاقة بينه وبين الله صلاةً وخشوعًا فيزيده الله سكينة ومددًاونورا ..

وهل هذه السعادة إلا الدين بعينه .. ألم يقل الصوفي لابس الخرقة .. نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف .. والذين عرفوا تلك اللذة .. لذة الصلة بالله والصلح مع النفس .. يعلمون أن كلام الصوفي على حق.

ألم تكن مثلنا من سنوات تسكر كما نسكر وتلهو كما نلهو وتسعد هذه السعادة الحيوانية التي نسعدها وتكتب الكفر بعينه في كتابك الله والإنسان فتسبق به إلحاد الملاحدة فماذا غيرك من النقيض إلى النقيض ؟

سبحانه يغير ولا يتغير.

أعلم أنك تقول أن كل شيء بفضل الله .. ولكن ماذا كان دورك .. وماذا كان سعيك ؟

نظرت حولى فرأيت أن الموت ثم التراب نكتة وعبثـًا وهزلا ورأيت العالم حولى كله محكمًا دقيقـًا منضبطـًا لا مكان فيه للهزل ولا للعبث .. ولو كانت حياتي عبثا كما تصورالعابثون ونهايتها لا شيء .. فلماذا أبكى ولماذا أندم ولما أتحرق وألتهب شوقـًا على الحق والعدل وأفتدى هذه القيم بالدم والحياة.

رأيت النجوم تجرى في أفلاكها بقانون .. ورأيت الحشرات الاجتماعية تتكلم والنباتات ترى وتسمع وتحس .. ورأيت الحيوانات لها أخلاق .. ورأيت المخ البشرى عجيبة العجائب يتألف من عشرة آلاف مليون خط عصبي تعمل كلها في وقت واحد في كمال معجز .. ولو حدث بها عطل هنا أوهناك لجاء فيأثره الشلل والعمى والخرس والتخليط والهذيان وهي أمور لا تحدث إلا استثناء ..

فماالذي يحفظ لهذه الآلة الهائلة سلامتها ومن الذي زودها بكل تلك الكمالات.

ورأيت الجمال في ورقة الشجر وفي ريشة الطاووس وجناح الفراش وسمعت الموسيقى في صدح البلابل وسقسقة العصافير وحيثما وجهت عينى رأيت رسم رسام وتصميم مصمم وإبداع يد مبدعة.
ورأيت الطبيعة بناءً محكمًا متكاملا تستحيل فيها الصدفة والعشوائية.. بل كل شيء يكاد يصرخ .. دبرنى مدبر .. وخلقنى مبدع قدير.

وقرأت القرآن فكان له في سمعي رنين وإيقاع ليس في مألوف اللغة وكان له في عقليّ انبهار .. فهو يأتى بالكلمة الأخيرة في كل ما يتعرض له من أمور السياسة والأخلاق والتشريع والكون والحياة والنفس والمجتمع رغم تقادم العهد على نزوله أكثر من ألف وثلاثمائة سنة.. وهو يوافق كل ما يستجد من علوم رغم أنه أتى على يد رجل بدوى أميَّ لا يقرأ ولا يكتب في أمة متخلفة بعيدة عن نور الحضارات ..

وقرأت سيرة هذا الرجل وما صنع .. فقلت.. بل هو نبي .. ولا يمكن أن يكون إلا نبي .. ولا يمكن لهذا الكون البديع إلا أن يكون صنع الله القدير الذي وصفه القرآن .. ووصف أفعاله.

قال صاحبي ـ بعد أن أصغى باهتمام إلى كل ما قلت .. وراح يتلمس الثغرة الأخيرة :
– فماذا يكون الحال لوأخطأت حساباتك وانتهيت بعد عمر طويل إلى موت وتراب ليس بعده شيء ؟

لن أكون قد خسرت شيئـًا فقد عشت حياتي كأعرض وأسعد وأحفل ما تكون الحياة .. ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيرًا لو أصابت حساباتى وصدقت توقعاتى .. وإنها لصادقة سوف تكون مفاجئة هائلة يا صاحبي.

ونظرت في عمق عينيه وأنا أتكلم فرأيت لأول مرة بحيرة من الرعب تنداح في كل عين ورأيت أجفانه تطرف وتختلج.



كانت لحظة عابرة من الرعب.. ما لبث أن استعاد بعدها توازنه .. ولكنها كانت لحظة كافية لأدرك أنه بكل غروره وعناده ومكابرته واقف على جرف من الشك والخواء والفراغ وممسك بلا شيء .

قال لي بنبرة حاول أن يشحنها باليقين :

سوف ترى أن التراب هو كل ما ينتظرك وينتظرنا.

هل أنت متأكد.

وللمرة الثانية انداحت في عينيه تلك البحيرة من الرعب.
قال وهو يضغط على الحروف وكأنما يخشى أن تخونه نبراته :

نعم. . .

قلت :

كذبت .. فهذا أمر لا يمكن أن نتأكد منه أبدًا.

وحينما كنت أعود وحدى تلك الليلة بعد حوارنا الطويل كنت أعلم أنى قد نكأت في نفسه جرحًا .. وحفرت تحت فلسفته المتهاوية حفرة سوف تتسع على الأيام ولن يستطيع منطقه المتهافت أن يردمها.

قلت في نفسي وأنا أدعو له .. لعل هذا الرعب ينجيه .. فمن سد على نفسه كل منافذ الحق بعناده لا يبقى له إلا الرعب منفذًا.

وكنت أعلم أنى لا أملك هدايته .. ألم يقل الله لنبيه..



((إِنَّكَ لَاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء )) القصص- 56.

ولكنى كنت أتمنى له الهداية وأدعو له بها فليس أسوأ من الكفر ذنبًا ولامصيرا

تم بحمد الله

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: