حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود(1)

حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود

يتعرض فيها لأسئلة صديقة الملحد حول القدر والله 


فهرس الكتاب

حوار مع صديقي الملحد


مقدمة



لم يلد ولم يولد


إذا كان الله قدر عليّ أفعالي .. فلماذا يحاسبني ؟


لماذا خلق الله الشر ؟


وما ذنب الذي لم يصله القرآن ؟


الجنة والنار


هل الدين أفيون ؟


وحكاية الإسلام مع المرأة


الروح


الضمير


هل مناسك الحج وثنية ؟


لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد ؟


القرآن لا يمكن أن يكون مؤلفا ً


شكوك


موقف الدين من التطور


كلمة لا إله إلا الله


كهيعص


المعجزة


معنى الدين


فزنا بسعادة الدنيا وفزتم بالأوهام


مقدمة
لأن الله غيب .. ولأن المستقبل غيب.. ولأن الآخرة غيب .. ولأن من يذهب إلى القبر لا يعود .. راجت بضاعة الإلحاد .. وسادت الأفكار المادية .. وعبد الناس أنفسهم واستسلموا لشهواتهم وانكبوا على الدنيايتقاتلون على منافعها .. وظن أكثرهم أن ليس وراء الدنيا شيء وليس بعد الحياة شيء.. وتقاتلت الدول الكبرى على ذهب الأرض وخيراتها .. وأصبح للكفر نظريات وللمادية فلسفات وللإنكار محاريب وسدنة وللمنكرين كعبة يتعلقون بأهدابها ويحجون إليها فيحلهم وترحالهم .. كعبة مهيبة يسمونها “العلم”..


وحينما ظهر أمر “الجينوم البشري” ذلك الكتيب الصغير من خمسة ملايين صفحة في خلايا كل منا والمدون في حيزخلوي ميكروسكوبي في ثلاثة مليارات من الحروف الكيميائية عن قدر كل منا ومواطن قوته ومواطن ضعفه وصحته وأمراضه .. أفاق العالم كله كأنما بصدمة كهرباية .. كيف ؟.. ومتى ؟ .. وبأي قلم غير مرئي كتب هذا “السفر” الدقيق عن مستقبل لم يأت بعد .. ومن الذي كتب كل تلك المعلومات .. وبأي وسيلة .. ومن الذي يستطيع أن يدون مثل تلك المدونات.


ورأينا كلينتون رئيس أكبر دولة في العالم يطالعنا في التلفزيون ليقول في نبرات خاشعة : أخيراً أمكن جمع المعلومات الكاملة عن الجينوم البشري وأوشك العلماء أن يفضوا الشفرة التي كتب الله بها أقدارنا..
هكذا ذكر ” الله ” بالاسم في بيانه..


نعم.. كانت صحوة مؤقتة .. أعقبها جدل .. وضجيج .. وعجيج .. وتكلم الكثير .. باسم الدين .. وباسم العلم .. واختلفوا..
وعادت الأسئلة القديمة عن حرية الإنسان .. وهل هو مسيَّر أم مخيَّر..


وإذا كان الله قدّر علينا أفعالنا فلماذا يحاسبنا ؟!
ولماذا خلق الله الشر..
وما ذنب الذي لم يصله قرآن..
وما موقف الدين من التطور.. ولماذا نقول باستحالة أن يكون القرآن مؤلفا..


وعاد ذلك الحوار القديم مع صديقي الملحد ليتردد .. وعادت موضوعاته .. عن الجبر والاختيار .. والبعث .. والمصير .. والحساب .. لتصبح مواضيع الساعة..


وتعود هذه الطبعة الجديدة في وقتها وميعادها .. لتشارك في حل هذا اللغز.. ولتعود لتثير الموضوع من منطلق العلم الثابت والإشارات القرآنية .. واليقين الإلهي الذي لا يتزلزل.


جاء كتابنا مرة أخرى .. في ميعاده..
ومرحبا مرة أخرى بالحوار الهادئ البناء.

الفصل الأول


لم يلـد ولم يولـد


صديقي رجل يحب الجدل ويهوى الكلام.. وهو يعتقد أننا – نحن المؤمنين السذج – نقتات بالأوهام ونضحك على أنفسنا بالجنة والحور العين وتفوتنا لذات الدنيا ومفاتنها .. وصديقي بهذه المناسبة تخرج في فرنسا وحصل على دكتوراه .. وعاش مع الهيبز وأصبح ينكر كل شيء.



قال لي ساخراً:



أنتم تقولون : إن الله موجود .. وعمدة براهينكم هو قانون “السببية”الذي ينص على أن لكل صنعة صانعاً.. ولكل خلق خالقاً .. ولكل وجود موجدا .. النسيج يدل على النسّاج .. والرسم يدل على الرسّام .. والنقش يدل على النقّاش .. والكون بهذا المنطق أبلغ دليل على الإله القدير الذي خلقه..

صدّقنا وآمنّا بهذا الخالق.. ألا يحق لنا بنفس المنطق أن نسأل .. ومن خلق الخالق .. من خلق الله الذي تحدثوننا عنه .. ألا تقودنا نفس استدلالاتكم إلى هذا .. وتبعاً لنفس قانون السببية.. ما رأيكم في هذا المطب دام فضلكم ؟





ونحن نقول له : سؤالك فاسد .. ولا مطب ولا حاجة فأنت تسلّم بأن الله خالق ثم تقول مَن خلقه ؟! فتجعل منه خالقاً ومخلوقاً في نفس الجملة وهذا تناقض..



والوجه الآخر لفساد السؤال أنك تتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته .. فالسببية قانوننا نحن أبناء الزمان والمكان.



والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان ولا يصح لنا أن نتصوره مقيداً بالزمان والمكان .. ولا بقوانين الزمان والمكان.



والله هو الذي خلق قانون السببية .. فلا يجوز أن نتصوره خاضعاً لقانون السببية الذي خلقه.

وأنت بهذه السفسطة أشبه بالعرائس التي تتحرك بزمبلك .. وتتصور أن الإنسان الذي صنعها لا بد هوالآخر يتحرك بزمبلك .. فإذا قلنا لها بل هو يتحرك من تلقاء نفسه .. قالت : مستحيل أن يتحرك شيء من تلقاء نفسه .. إني أرى في عالمي كل شيء يتحرك بزمبلك.

وأنت بالمثل لا تتصور أن الله موجود بذاته بدون موجد .. لمجرد أنك ترى كل شيء حولك فيحاجة إلى موجد.



وأنت كمن يظن أن الله محتاج إلى براشوت لينزل على البشر ومحتاج إلى أتوبيس سريع ليصل إلى أنبيائه.. سبحانه وتعالى عن هذه الأوصاف علوّاً كبيراً..





“وعمانويل كانت” الفيلسوف الألماني في كتابه “نقد العقل الخالص” أدرك أن العقل لا يستطيع أن يحيط بكنه الأشياء وأنه مُهيّأ بطبيعته لإدراك الجزئيات والظواهر فقط .. في حين أنه عاجز عن إدراك الماهيات المجردة مثل الوجود الإلهي.. وإنما عرفنا الله بالضمير وليس بالعقل .. شوقنا إلى العدل كان دليلنا على وجودالعادل .. كما أن ظمأنا إلى الماء هو دليلنا على وجود الماء..



أما أرسطوفقد استطرد في تسلسل الأسباب قائلاً : إن الكرسي من الخشب والخشب من الشجرة.. والشجرة من البذرة .. والبذرة من الزارع .. واضطر إلى القول بأن هذا الاستطراد المتسلسل في الزمن اللانهائي لابد أن ينتهي بنا في البدء الأول إلى سبب في غير حاجة إلى سبب .. سبب أول أو محرك أول في غير حاجة إلى من يحركه .. خالق في غير حاجة إلى خالق .. وهو نفس ما نقوله عن الله..



أما ابن عربي فكان رده على هذا السؤال”سؤال مَنْ خلق الخالق”.. بأنه سؤال لا يرد إلا على عقل فاسد.. فالله هو الذي يبرهن على الوجود ولا يصح أن نتخذ من الوجود برهاناً على الله.. تماماً كما نقول إن النوريبرهن على النهار .. ونعكس الآية لو قلنا إن النهار يبرهن على النور..



يقول الله في حديث قدسي :



(أنا يُستدل بي .. أنا لا يُستدل عليّ)..



فالله هوالدليل الذي لا يحتاج إلى دليل .. لأنه الله الحق الواضح بذاته .. وهو الحجة على كل شيء .. الله ظاهر في النظام والدقة والجمال والإحكام .. في ورقة الشجر .. في ريشة الطاووس .. في جناح الفراش .. في عطر الورد .. في صدح البلبل .. في ترابط النجوم والكواكب.. في هذا القصيد السيمفوني الذي اسمه الكون..



لو قلنا إن كل هذا جاء مصادفة .. لكنا كمن يتصور أن إلقاء حروف مطبعة في الهواء يمكن أن يؤدي إلى تجمعها تلقائياً على شكل قصيدة شعر لشكسبير بدون شاعر وبدون مؤلف.



والقرآن يغنينا عن هذه المجادلات بكلمات قليلة وبليغة فيقول بوضوح قاطع ودون تفلسف:

{قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد} سورةالإخلاص:1



ويسألنا صاحبنا ساخراً : ولماذا تقولون إن الله واحد ..؟ لماذا لايكون الآلهة متعددين ..؟ يتوزعون بينهم الاختصاصات ؟





وسوف نرد عليه بالمنطق الذي يعترف به .. بالعلم وليس بالقرآن..

سوف نقول له إن الخالق واحد ، لأن الكون كله مبني من خامة واحدة وبخطة واحدة .. فمن الأيدروجين تألفت العناصر الاثنان والتسعون التي في جدول “مندليف” بنفس الطريقة .. “بالادماج” وإطلاق الطاقة الذرية التي تتأجج بها النجوم وتشتعل الشموس في فضاء الكون.

كما أن الحياة كلها بنيت من مركبات الكربون “جميع صنوف الحياة تتفحم بالاحتراق” وعلى مقتضى خطة تشريحية واحدة .. تشريح الضفدعة ، والأرنب ، والحمامة ، والتمساح ، والزرافة ، والحوت ،يكشف عن خطة تشريحية واحدة ، نفس الشرايين والأوردة وغرفات القلب ، ونفس العظام ،كل عظمة لها نظيرتها .. الجناح في الحمامة هو الذراع في الضفدعة .. نفس العظام معتحور طفيف ..والعنق في الزرافة على طوله نجد فيه نفس الفقرات السبع التي تجدها في عنق القنفذ .. والجهاز العصبي هو هو في الجميع ، يتألف من مخ وحبل شوكي وأعصاب حس وأعصاب حركة .. والجهاز الهضمي من معدة واثني عشر ، وأمعاء دقيقة وأمعاء غليظة والجهاز التناسلي نفس المبيض والرحم والخصية وقنواتها .. والجهاز البولي الكلية والحالب ، وحويصلة البول .. ثم الوحدة التشريحية في الجميع هي الخلية .. وهي في النبات كما في الحيوان كما في الإنسان، بنفس المواصفات، تتنفس وتتكاثر وتموت وتولد بنفس الطريقة..



فأية غرابة بعد هذا أن نقول إن الخالق واحد ؟ .. ألا تدل على ذلك وحدة الأساليب.

ولماذا يتعدد الكامل ..؟ وهل به نقص ليحتاج إلى من يكمله ؟.. إنما يتعدد الناقصون.

ولو تعدد الآلهة لاختلفوا ، ولذهب كل إله بما خلق ،ولفسدت السماوات والأرض , والله له الكبرياء والجبروت وهذه صفات لا تحتمل الشركة..

ويسخر صاحبنا من معنى الربوبية كما نفهمه .. ويقول أليس عجيباً ذلك الرب الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ، فيأخذ بناصية الدابة ، ويوحي إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، وما تخرج من ثمرات من أكمامها إلاّ أحصاها عدداً ، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه .. وإذا عثرت قدم في حفرة فهوالذي أعثرها.. وإذا سقطت ذبابة في طعام فهو الذي أسقطها .. وإذا تعطلت الحرارة في تليفون فهو الذي عطلها .. وإذا امتنع المطر فهو الذي منعه ، وإذا هطل فهو الذي أهطله .. ألا تشغلون إلهكم بالكثير التافه من الأمور بهذا الفهم..



ولا أفهم أيكون الرب في نظر السائل أجدر بالربوبية لو أنه أعفى نفسه من هذه المسئوليات وأخذإجازة وأدار ظهره للكون الذي خلقه وتركه يأكل بعضه بعضاً!

هل الرب الجدير في نظره هو رب عاطل مغمى عليه لا يسمع ولا يرى ولا يستجيب ولا يعتني بمخلوقاته ؟ .. ثم من أين للسائل بالعلم بأن موضوعاً ما تافه لا يستحق تدخل الإله، وموضوعاً آخر مهماً وخطير الشأن ؟

إن الذبابة التي تبدو تافهة في نظر السائل لا يهم في نظره أن تسقط في الطعام أو لا تسقط، هذه الذبابة يمكن أن تغيّر التاريخ بسقوطها التافه ذلك.. فإنها يمكن أن تنقل الكوليرا إلى جيش وتكسب معركة لطرف آخر، تتغير بعدها موازين التاريخ كله.

ألم تقتل الإسكندر الأكبر بعوضة ؟

إن أتفه المقدمات ممكن أن تؤدي إلى أخطر النتائج .. وأخطر المقدمات ممكن أن تنتهي إلى لا شيء .. وعالم الغيب وحده هو الذي يعلم قيمة كل شيء.



وهل تصور السائل نفسه وصيّاً على الله يحدد له اختصاصاته .. تقدّس وتنزّه ربنا عن هذا التصور الساذج.



إنما الإله الجديربالألوهية هنا هو الإله الذي أحاط بكل شيء علماً .. لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرضولا في السماء.



الإله السميع المجيب ، المعتني بمخلوقاته.






الفصل الثاني


إذا كان الله قدَّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟




قال صديقي في شماتة وقد تصوّر أنه أمسكني من عنقي وأنه لامهرب لي هذه المرة :

أنتم تقولون إن الله يُجري كل شيء في مملكته بقضاء وقدر،وإن الله قدَّر علينا أفعالنا ، فإذا كان هذا هو حالي ، وأن أفعالي كلها مقدّرة عنده فلماذا يحاسبني عليها ؟



لا تقل لي كعادتك .. أنا مخيـَّر .. فليس هناك فرية أكبر من هذه الفرية ودعني أسألك :

هل خُـيّرتُ في ميلادي وجنسي وطولي وعرضي ولوني ووطني ؟



هل باختياري تشرق الشمس ويغرب القمر ؟



هل باختياري ينزل عليَّ القضاء ويفاجئني الموت وأقع في المأساة فلا أجد مخرجاً إلا الجريمة..

لماذا يُكرهني الله على فعل ثم يؤاخذني عليه ؟



وإذا قلت إنك حر ، وإن لك مشيئة إلى جوار مشيئة الله ألا تشرك بهذا الكلام وتقع في القول بتعدد المشيئات ؟



ثم ماقولك في حكم البيئة والظروف ، وفي الحتميات التي يقول بها الماديون التاريخيون؟





أطلق صاحبي هذه الرصاصات ثم راح يتنفس الصعداء في راحة وقد تصوَّر أني توفيت وانتهيت ، ولم يبق أمامه إلا استحضار الكفن..



قلت له في هدوء :



أنت واقع في عدة مغالطات .. فأفعالك معلومة عندالله في كتابه ، ولكنها ليست مقدورة عليك بالإكراه .. إنها مقدَّرة في علمه فقط .. كما تقدِّر أنت بعلمك أن ابنك سوف يزني .. ثم يحدث أن يزني بالفعل .. فهل أكرهته .. أو كان هذا تقديراً في العلم وقد أصاب علمك..



أما كلامك عن الحرية بأنها فرية ، وتدليلك على ذلك بأنك لم تخيَّر في ميلادك ولا في جنسك ولا في طولك ولا في لونك ولا في موطنك ، وأنك لا تملك نقل الشمس من مكانها .. هو تخليط آخر..

وسبب التخليط هذه المرة أنك تتصوَّرالحرية بالطريقة غير تلك التي نتصورها نحن المؤمنين..

أنت تتكلم عن حرية مطلقة.. فتقول .. أكنت أستطيع أن أخلق نفسي أبيض أو أسود أو طويلا أو قصيراً .. هل بإمكاني أن أنقل الشمس من مكانها أو أوقفها في مدارها .. أين حريتي ؟



ونحن نقول له : أنت تسأل عن حرية مطلقة .. حرية التصرف في الكون وهذه ملك لله وحده.. نحن أيضاً لا نقول بهذه الحرية { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } 68 سورة القصص



ليس لأحد الخيرة في مسألة الخلق ، لأن الله هو الذي يخلق ما يشاء ويختار..

ولن يحاسبك الله على قِصَرك ولن يعاتبك على طولك ولن يعاقبك لأنك لم توقف الشمس في مدارها ، ولكن مجال المساءلة هو مجال التكليف .. وأنت في هذا المجال حر .. وهذه هي الحدود التي نتكلم فيها..



أنت حر في أن تقمع شهوتك وتلجم غضبك وتقاوم نفسك وتزجر نياتك الشريرة وتشجع ميولك الخيرة..



أنت تستطيع أن تجود بمالك ونفسك..



أنت تستطيع أن تصدق وأن تكذب..



وتستطيع أن تكف يدك عن المال الحرام..



وتستطيع أن تكف بصرك عن عورات الآخرين..



وتستطيع أن تمسك لسانك عن السباب والغيبة والنميمة..



في هذاالمجال نحن أحرار..



وفي هذا المجال نُحاسَب ونُسأل..



الحرية التي يدورحولها البحث هي الحرية النسبية وليست الحرية المطلقة حرية الإنسان في مجال التكليف..



وهذه الحرية حقيقة ودليلنا عليها هو شعورنا الفطري بها في داخلنا فنحن نشعر بالمسئولية وبالندم على الخطأ ، وبالراحة للعمل الطيب .. ونحن نشعر في كل لحظة أننا نختار ونوازن بين احتمالات متعددة ، بل إن وظيفة عقلنا الأولى هي الترجيح والاختيار بين البديلات..

ونحن نفرق بشكل واضح وحاسم بين يدنا وهي ترتعش بالحمى، ويدنا وهي تكتب خطاباً .. فنقول إن حركة الأولى جبرية قهرية ، والحركة الثانية حرة اختيارية .. ولو كنا مسيرين في الحالتين لما استطعنا التفرقة..



ويؤكد هذه الحرية ما نشعر به من استحالة إكراه القلب على شيء لا يرضاه تحت أي ضغط .. فيمكنك أن تُكره امرأة بالتهديد والضرب على أن تخلع ثيابها .. ولكنك لا تستطيع بأي ضغط أوتهديد أن تجعلها تحبك من قلبها ومعنى هذا أن الله أعتق قلوبنا من كل صنوف الإكراه والإجبار ، وأنه فطرها حرة..



ولهذا جعل الله القلب والنية عمدة الأحكام ،فالمؤمن الذي ينطق بعبارة الشرك والكفر تحت التهديد والتعذيب لا يحاسب على ذلك طالما أن قلبه من الداخل مطمئن بالإيمان ، وقد استثناه الله من المؤاخذة في قوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ٌ} 106 سورةالنحل



والوجه الآخر من الخلط في هذه المسألة أن بعض الناس يفهم حرية الإنسان بأنها علو على المشيئة ، وانفراد بالأمر ، فيتهم القائلين بالحرية بأنهم أشركوابالله وجعلوا له أنداداً يأمرون كأمره ، ويحكمون كحكمه ، وهذا ما فهمته أنت أيضاً.. فقلت بتعدد المشيئات .. وهو فهم خاطئ .. فالحرية الإنسانية لا تعلو على المشيئة الإلهية..



إن الإنسان قد يفعل بحريته ما ينافي الرضا الإلهي ولكنه لا يستطيع أن يفعل ما ينافي المشيئة..

الله أعطانا الحرية أن نعلو على رضاه “فنعصيه” ، ولكن لم يعط أحداً الحرية في أن يعلو على مشيئته .. وهنا وجه آخر من وجوه نسبية الحرية الإنسانية..



وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الإلهية وضمنها ، وإن خالف الرضا الإلهي وجانب الشريعة..

وحريتنا ذاتها كانت منحة إلهية وهبة منحها لنا الخالق باختياره .. ولم نأخذها منه كرهاً ولا غصباً..

إن حريتنا كانت عين مشيئته..



ومن هنا معنى الآية : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ } 30 سورة الإنسان

لأن مشيئتنا ضمن مشيئته ، ومنحة منه ، وهبة من كرمه وفضله ، فهي ضمن إرادته لا ثنائية ولا تناقض ، ولا منافسة منا لأمر الله وحكمه..



والقول بالحرية بهذا المعنى لا ينافي التوحيد ، ولا يجعل لله أنداداً يحكمون كحكمه ويأمرون كأمره .. فإن حرياتنا كانت عين أمره ومشيئته وحكمه..





والوجه الثالث للخلط أن بعض من تناولوا مسألة القضاء والقدر والتسيير والتخيير .. فهموا القضاء والقدربأنه إكراه للإنسان على غير طبعه وطبيعته وهذا خطأ وقعت فيه أنت أيضاً .. وقد نفى الله عن نفسه الإكراه بآيات صريحة :



{إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} 4 سورة الشعراء

والمعنى واضح .. أنه كان من الممكن أن نُكره الناس على الإيمان بالآيات الملزمة ، ولكننا لم نفعل .. لأنه ليس في سنتنا الإكراه..



{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } 256 سورة البقرة

{وَلَوْشَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } 99 سورة يونس



ليس في سُنة الله الإكراه.. 


والقضاء والقدر لا يصح أن يُفهم على أنه إكراه للناس على غيرطبائعهم .. وإنما على العكس..

الله يقضي على كل إنسان من جنس نيته .. ويشاء له من جنس مشيئته ، ويريد له من جنس إرادته ، لا ثنائية … تسيير الله هو عين تخييرالعبد ، لأنه الله يسيِّر كل امرئ على هوى قلبه وعلى مقتضى نياته..



{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا } 20 سورة الشورى



{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً } 10 سورة البقرة



{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } 17 سورة محمد



وهو يخاطب الأسرى في القرآن :



{إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } 70سورة الأنفال

الله يقضي ويقدِّر ، ويجري قضاءه وقدره على مقتضى النية والقلب.. إن شراً فشر وإن خيراً فخير..



ومعنى هذا أنه لا ثنائية .. التسيير هو عين التخيير .. ولا ثنائية ولا تناقض..



الله يسيِّرنا إلى ما اخترناه بقلوبنا ونياتنا، فلا ظلم ولا إكراه ولا جبر ، ولا قهر لنا على غير طبائعنا..

{فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } 5 سورة الليل



{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } 17 سورة الأنفال



هنا تلتقي رمية العبد والرمية المقدَّرة من الرب ، فتكون رمية واحدة.. وهذا مفتاح لغز القضاء والقدر .. على العبد النية، وعلى الله التمكين، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر..

والحرية الإنسانية ليست مقداراً ثابتاً ، ولكنها قدرة نسبية قابلة للزيادة..



الإنسان يستطيع أن يزيد من حريته بالعلم .. باختراع الوسائل والأدوات والمواصلات استطاع الإنسان أن يطوي الأرض ، ويهزم المسافات ، ويخترق قيود الزمان والمكان .. وبدراسة قوانين البيئة استطاع أن يتحكم فيها ويسخرها لخدمته، وعرف كيف يهزم الحر والبرد والظلام ،وبذلك يضاعف من حرياته في مجال الفعل..



العلم كان وسيلة إلى كسر القيود والأغلال وإطلاق الحرية..





أما الوسيلة الثانية فكانت الدين .. الاستمداد من الله بالتقرب منه .. والأخذ عنه بالوحي والتلقي والتأييد .. وهذه وسيلة الأنبياء ومن في دربهم..



سخّر سليمان الجن وركب الريح وكلّم الطير بمعونة الله ومدده..



وشق موسى البحر .. وأحيا المسيح الموتى .. ومشى على الماء .. وأبرأ الأكمه والأبرص والأعمى..

ونقرأ عن الأولياء أصحاب الكرامات الذين تُطوى لهم الأرض وتكشف لهم المغيبات..

وهي درجات من الحرية اكتسبوها بالاجتهاد في العبادة والتقرب إلى الله والتحبب إليه .. فأفاض عليهم من علمه المكنون..

إنه العلم مرة أخرى..

ولكنه هذه المرة العلم “اللدني”..

ولهذا يُلخص أبو حامد الغزالي مشكلة المخيَّر والمسيَّر قائلاً في كلمتين :

الإنسان مخيَّر فيما يعلم..

مسيَّر فيما لا يعلم..

وهو يعني بهذا أنه كلما اتسع علمه اتسع مجال حريته.. سواء كان العلم المقصود هو العلم الموضوعي أو العلم اللدنِّي..



ويخطئ المفكرون الماديون أشد الخطأ حينما يتصورون الإنسان أسير الحتميات التاريخية والطبقية .. ويجعلون منه حلقة في سلسلة من الحلقات لا فكاك له ، ولا مهرب من الخضوع لقوانين الاقتصاد وحركة المجتمع ، كأنما هو قشة في تيار بلا ذراعين وبلا إرادة..

والكلمة التي يرددونها ولا يتعبون من ترديدها وكأنها قانون : “حتمية الصراع الطبقي” وهي كلمة خاطئة في التحليل العلمي ، لأنه لا حتميات في المجال الإنساني ،وإنما على الأكثر ترجيحات واحتمالات .. وهذا هو الفرق بين الإنسان ، وبين التروس ،والآلات والأجسام المادية .. فيمكن التنبوء بخسوف الشمس بالدقيقة والثانية ، ويمكن التنبؤ بحركاتها المستقبلة على مدى أيام وسنين .. أما الإنسان فلا يمكن أن يعلم أحد ماذا يُضمر وماذا يُخبئ في نياته ، وماذا يفعل غداً أو بعد غد .. ولا يمكن معرفة هذا إلا على سبيل الاحتمال والترجيح والتخمين ، وذلك على فرض توفر المعلومات الكافية للحكم..

وقد أخطأت جميع تنبؤات كارل ماركس ، فلم تبدأ الشيوعية في بلد متقدم كما تنبأ ، بل في بلد متخلف ، ولم يتفاقم الصراع بين الرأسمالية والشيوعية ، بل تقارب الاثنان إلى حالة من التعايش السلمي ، وأكثر من هذا فتحت البلاد الشيوعية أبوابها لرأس المال الأمريكي .. ولم تتصاعد التناقضات في المجتمع الرأسمالي إلى الإفلاس الذي توقعه كارل ماركس ، بل على العكس ، ازدهر الاقتصاد الرأسمالي ووقع الشقاق والخلاف بين أطراف المعسكر الاشتراكي ذاته..

أخطأت حسابات ماركس جميعها دالة بذلك على خطأ منهجه الحتمي .. ورأينا صراع العصر الذي يحرك التاريخ هو الصراع اللاطبقي بين الصين وروسيا ، وليس الصراع الطبقي الذي جعله ماركس عنوان منهجه.. وكلها شواهد على فشل الفكر المادي في فهم الإنسان والتاريخ ، وتخبطه في حساب المستقبل .. وجاء كل ذلك نتيجة خطأ جوهري ، هو أن الفكر المادي تصوَّر أن الإنسان ذبابة في شبكة من الحتميات .. ونسي تماماً أنّ الإنسان حر .. وأن حريته حقيقة..



أمّا كلام الماديين عن حكم البيئة والمجتمع والظروف ، وأن الإنسان لايعيش وحده ولا تتحرك حريته في فراغ..



نقول ردّاً على هذا الكلام : إن حكم البيئة والمجتمع والظروف كمقاومات للحرية الفردية إنما يؤكد المعنى الجدلي لهذه الحرية ولا ينفيه .. فالحرية الفردية .. لا تؤكد ذاتها إلا ّ في وجه مقاومة تزحزحها..



أما إذا كان الإنسان يتحرك في فراغ بلا مقاومة من أي نوع فإنه لا يكون حراً بالمعنى المفهوم للحرية، لأنه لن تكون هناك عقبة يتغلب عليها ويؤكد حريته من خلالها..

 





الفصل الثالث


لماذا خلق الله الشر؟


قال صاحبي ساخرًا:
كيف تزعمون أن إلهكم كامل ورحمن ورحيم وكريم ورءوف وهو قد خلق كل هذه الشرور في العالم .. المرض والشيخوخة والموت والزلزال والبركان والميكروب والسم والحر والزمهرير وآلام السرطان التي لا تعفي الطفل الوليد ولا الشيخ الطاعن.


إذا كان الله محبة وجمالا وخيرا فكيف يخلق الكراهية والقبح والشر.
والمشكلة التي أثارها صاحبي من المشاكل الأساسية في الفلسفة وقد انقسمت حولها مدارس الفكر واختلفت حولها الآراء.
ونحن نقول أن الله كله رحمة وكله خير وأنه لم يأمر بالشر ولكنه سمح به لحكمة.


{إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْوُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (29)} الأعراف -28.




الله لا يأمر إلا بالعدل والمحبة والإحسان والعفو والخير وهو لا يرضى إلا بالطيب.
فلماذا ترك الظالم يظلم والقاتل يقتل والسارق يسرق؟
لأن الله أرادنا أحرارا .. والحرية اقتضت الخطأ ولا معنى للحرية دون أن يكون لنا حق التجربة والخطأ والصواب.. والاختيار الحر بين المعصية والطاعة.
وكان في قدرة الله أن يجعلنا جميعًا أخيارا وذلك بأن يقهرنا على الطاعة قهرا وكان ذلك يقتضي أن يسلبنا حرية الاختيار.
وفي دستور الله وسنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة .. ولهذا تركنا نخطيء ونتألم ونتعلم وهذه هي الحكمة في سماحه بالشر.
ومع ذلك فإن النظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أن الخير في الوجود هو القاعدة وأن الشرهو الاستثناء..
فالصحة هي القاعدة والمرض استثناء ونحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحة ولا يزورنا المرض إلا أياما قليلة .. وبالمثل الزلازل هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضية الذي يحصى بملايين السنين وكذلك البراكين وكذلك الحروب هي تشنجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدة.


ثم أننا نرى لكل شيء وجه خير فالمرض يخلف وقاية والألم يربي الصلابة والجلد والتحمل والزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية وتحمي القشرة الأرضية من الانفجار وتعيدالجبال إلى أماكنها كأحزمة وثقالات تثبت القشرة الأرضية في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيثة الباطنة وتكسو الأرض بتربة بركانية خصبة .. والحروب تدمج الأمم وتلقح بينها وتجمعها في كتل وأحلاف ثم في عصبة أمم ثم في مجلس أمن هو بمثابة محكمة عالمية للتشاكي والتصالح .. وأعظم الاختراعات خرجت أثناء الحروب .. البنسلين الذرة الصواريخ الطائرات النفاثة كلها خرجت من أتون الحروب.
ومن سم الثعبان يخرج الترياق.
ومن الميكروب نصنع اللقاح.
ولولا أن أجدادنا ماتوا لما كنا الآن في مناصبنا، والشر في الكون كالظل في الصورة إذا اقتربت منه خيل إليك أنه عيب ونقص في الصورة .. ولكن إذا ابتعدت ونظرت إلى الصورة ككل نظرة شاملة اكتشفت أنه ضروري ولاغنى عنه وأنه يؤدي وظيفة جمالية في البناء العام للصورة.
وهل كان يمكننا أن نعرف الصحة لولا المرض .. إن الصحة تظل تاجا على رؤوسنا لا نراه ولا نعرفه إلا حينما نمرض.
وبالمثل ما كان ممكنا أن نعرف الجمال لولا القبح ولا الوضع الطبيعي لولا الشاذ.
ولهذا يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: إن نقص الكون هو عين كماله مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته ولو أنه استقام لما رمى.
وظيفة أخرى للمشقات والآلام .. أنها هي التي تفرز الناس وتكشف معادنهم.
لولا المشقة ساد الناس كلهم … الجود يفقر والإقدام قتال
إنها الامتحان الذي نعرف به أنفسنا.. والابتلاء الذي تتحدد به مراتبنا عند الله.
ثم إن الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها فالموت ليس نهاية القص ولكن بدايتها.
ولايجوز أن نحكم على مسرحية من فصل واحد ولا أن نرفض كتابا لأن الصفحة الأولى لمتعجبنا.
الحكم هنا ناقص..
ولا يمكن استطلاع الحكمة كلها إلا في آخر المطاف.. ثم ما هو البديل الذي يتصوره السائل الذي يسخر منا؟!
هل يريد أن يعيش حياة بلاموت بلا مرض بلا شيخوخة بلا نقص بلا عجز بلا قيود بلا أحزان بلا آلام.
هل يطلب كمالا مطلقا؟!
ولكن الكمال المطلق لله.
والكامل واحد لا يتعدد .. ولماذايتعدد .. وماذا ينقصه ليجده في واحد آخر غيره؟!
معنى هذا أن صاحبنا لن يرضيه إلا أن يكون هو الله ذاته وهو التطاول بعينه.
ودعونا نسخر منه بدورنا .. هو وأمثاله ممن لا يعجبهم شيء.
هؤلاء الذين يريدونها جنة..
ماذا فعلوا ليستحقونها جنة؟
وماذا قدم صاحبنا للإنسانية ليجعل من نفسه الله الواحد القهار الذي يقول للشيء كن فيكون.
إن جدتي أكثر ذكاء من الأستاذ الدكتور المتخرج من فرنسا حينما تقول في بساطة:
“خير من الله شر من نفوسنا”.
إنها كلمات قليلة ولكنها تلخيص أمين للمشكلة كلها..
فالله أرسل الرياح وأجرى النهر ولكن ربان السفينة الجشع ملأ سفينته بالناس والبضائع بأكثر مما تحتمل فغرقت فمضى يسب الله والقدر .. وما ذنب الله؟! .. الله أرسل الرياح رخاء وأجرى النهر خيرا .. ولكن جشع النفوس وطمعها هوالذي قلب هذا الخير شرا.
ما أصدقها من كلمات جميلة طيبة.

“خير من الله شر من نفوسنا”.





الفصل الرابع


وما ذنب الذي لم يصله قرآن؟

هرش صاحبنا الدكتور رأسه..
كان من الواضح أنه يبحث لي في الدكتوراه عن حفرة أو مطب يدق عنقي فيه .. ثم قال في هدوء وهو يرتب كلماته:
– حسنًا .. وما رأيك في هذا الإنسان الذي لم يصله قرآن ولم ينزل عليه كتاب .. ولم يأته نبي .. ما ذنبه .. وما مصيره عندكم يوم الحساب .. مثل اسكيمو في أقاصي القطبين.. أو زنجي في الغابات .. ماذا يكون حظه بين يدي إلهكم يوم القيامة.

– قلت له:

– دعني أصحح معلوماتك أولا .. فقد بنيت أسئلتك على مقدمة خاطئة .. فالله أخبرنا بأنه لم يحرم أحدًا من رحمته ووحيه وكلماته وآياته.
((وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) )) فاطر.
((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً (36) )) النحل.

والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن ليسوا كل الرسل..
وإنما هناك آلاف غيرهم لا نعلم عنهم شيئًا .. والله يقول لنبيه عن الرسل:
((مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78))) غافر.
والله يوحي إلى كل شيء حتى النحل.
((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِوَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) )) النحل.
وقد يكون الوحي كتابًا يلقيه جبريل .. وقد يكون نورًا يلقيه الله في قلب العبد .. وقد يكون انشراحًا في الصدر .. وقد يكون حكمة وقد يكون حقيقة وقد يكون فهمًا وقد يكون خشوعًا ورهبة وتقوى.
وما من أحد يرهف قلبه ويرهف سمعه إلا ويتلقى من الله فضلاً.
أما الذين يصمون آذانهم وقلوبهم فلا تنفعهم كتب ولا رسل ولا معجزات ولو كثرت.
والله قال أنه يختص برحمته من يشاء.. وأنه لا يسأل عما يفعل.
وقد يريد الله لحكمة أن ينذر أحدًا وأن يعذر آخرفيقبل منه أهون الإيمان.
ومن يدرينا .. ربما كانت مجرد لفته من ذلك الزنجي البدائي إلى السماء في رهبة هي عند الله منجية ومقبولة أكثر من صلاتنا.
على أن القراءة المتأملة لأديان هؤلاء الزنوج البدائيين تدل على أنه كان لهم رسل ورسالات سماوية مثل رسالاتنا.
في قبيلة الماو ماو مثلاً نقرأ أنهم يؤمنون بإله يسمونه” موجايى ” ويصفونه بأنه واحد أحد لم يلد ولم يولد وليس له كفو ولا شبيه .. وأنه لايرى ولا يعرف إلا من آثاره وأفعاله .. وأنه خالق رازق وهاب رحيم يشفي المريض وينجد المأزوم وينزل المطر ويسمع الدعاء ويصفونه بأن البرق خنجره والرعد وقع خطاه.
أليس هذا الـ “موجايى ” هو إلهنا بعينه .. ومن أين جاءهم هذا العلم إلا أن يكون في تاريخهم رسول ومبلغ جاء به .. ثم تقادم عليه العهد كالمعتاد فدخلت الخرافات والشعوذات فشوهت هذا النقاء الديني.
وفي قبيلة نيام نيام نقرأ أنهم يؤمنون بإله واحد يسمونه ” مبولي” ويقولون أن كل شيء في الغابة يتحرك بإرادة ” مبولي ” وأنه يسلط الصواعق على الأشرار من البشر .. ويكافئ الأخيار بالرزق والبرة والأمان.
وفي قبيلة الشيلوك يؤمنون بإله واحد يسمونه ” جوك ” ويصفونه بأنه خفي وظاهر .. وأنه في السماء وفي كل مكان وأنه خالق كل شيء.
وفي قبيلة الدنكا يؤمنون بإله واحد يسمونه ” نيالاك ” وهي كلمة ترجمتها الحرفية .. الذي في السماء .. أوالأعلى.
ماذا نسمي هذه العقائد إلا أنها إسلام.
وماذا تكون إلا رسالات كان لها في تاريخ هؤلاء الأقوام رسل.
إن الدين لواحد.
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) )) البقرة.

حتى الصابئين الذين عبدوا الشمس على أنها آية من آيات الله وآمنوا بالله الواحد وبالآخرة والبعث والحساب وعملوا الصالحات فلهم أجرهم عند ربهم.
ومعلوم أن رحمة الله تتفاوت.
وهناك من يولد أعمى وهناك من يولد مبصرا وهناك من عاش أيام موسى ورآه رأي العين وهو يشق البحر بعصاه .. وهناك من عاش أيام المسيح ورآه يحيى الموتى.. أما نحن فلا نعلم عن هذه الآيات إلا سمعًا .. وليس الخبر كالعيان .. وليس من رأي كمن سمع.
ومع ذلك فالإيمان وعدمه ليس رهنًا بالمعجزات.
والمكابرون المعاندون يرون العجب من أنبيائهم فلا يزيد قولهم على أن هذا ” سحر مفترى”.
ولا شك أن صاحبنا الدكتور القادم من فرنسا قد بلغه من الكتب ثلاثة .. توراة وإنجيل وقرآن وبلغته .. فلم تزده هذه الكتب إلا إغراقًا في الجدل .. وحتى يهرب من الموقف كله أحاله على شخص مجهول في الغابات لم ينزل عليه كتاب .. وراح يسألنا .. وما بالكم بهذا الرجل الذي لم يصله قرآن ولم ينزل عليه كتاب .. ملتمسًا بذلك ثغرة في العدل الإلهي أو موهمًا نفسه بأن المسألة كلها عبث.
وهو لذلك يسألنا ” ولماذا تتفاوت رحمة الله ” .. لماذا يشهد الله واحدًا على آياته .. ولا يدري آخر بتلك الآيات إلا سمعًا.
ونحن نقول أنها قد لا تكون رحمة بل نقمة ألم يقل الله لأتباع المسيح الذين طلبوا نزول مائدة من السماء محذرًا:
((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115) )) المائدة.
ذلك لأنه مع نزول المعجزات يأتي دائمًا تشديد العذاب لمن يكفر.
وطوبى لمن آمن بالسماع ودون أن يرى معجزة.
والويل للذين شاهدوا ولم يؤمنوا.
فالقرآن في يدك حجة عليك ونذير.. ويوم الحساب يصبح نقمة لا رحمة.
وعدم إقامة هذه الحجة البينة على الاسكيمو ساكن القطبين قد يكون إعفاء وتخفيفًا ورحمة ومغفرة يوم الحساب .. وقد تكون لفتة إلى السماء من هذا الاسكيمو الجاهل ذات ساعة في عمره .. عند الله كافية لقبوله مؤمنًا مخلصًا.
أما لماذا يرحم الله واحدًا أكثر مما يرحم آخر فهو أمر يؤسسه الله على علمه بالقلوب.
((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَعَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) )) الفتح.
وعلم الله بنا وبقلوبنا يمتد إلى ما قبل نزولنا في الأرحام حينما كنا عنده أرواحًا حول عرشه.. فمنا من التف حول نوره .. ومنا من انصرف عنه مستمتعًا بالملكوت وغافلاً عن جمال خالقه .. فاستحق الرتبة الدنيا من ذلك اليوم وسبق عليه القول .. هذا كلام أهل المشاهدة.
وما نراه من تاريخنا القصير في الدنيا ليس كل شيء..

ومعرفة الحكمة من كل ألم وحرمان أمر لا يعلمه إلا العليم.
والذي يسألني .. لماذا خلق الله الخنزير خنزيرًا .. لا أملك إلا أن أجيبه بأن الله اختار له ثوبًا خنزيريًا لأن نفسه خنزيرية وأن خلقه هكذا حق وعدل.
وكل ما نرى حولنا من استحقاقات هي عدل لكن معرفة الحكمة الكلية وإماطة اللثام عن هذا العدل أمر ليس في مقدور كل واحد.
ولعل لهذا السبب هناك آخرة .. ويوم تنصب فيه الموازين وينبئنا العليم بكل ما اختلفنا فيه.
ومع هذا فسوف أريحك بالكلمة الفصل .. فقد قال الله في كتابه أنه لن يعذب إلا من أنذرهم بالرسل.
((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً))
(15-الإسراء.)
هل أرحت واسترحت.
ثم دعني أقول لك يا صاحبي..
إن أعجب ما في سؤالك أن ظاهره يوهم بالإيمان والإشفاق على الزنجي المسكين الذي فاته ما في القرآن من نور ورحمة وهدى .. مع أن حقيقتك هي الكفر بالقرآن وبنوره ورحمته وهداه.. فسؤالك أقرب ما يكون إلى الاستدراج والمخادعة وفيه مناقضة للنفس هي ” اللكاعة” بعينها .. فأنت تحاول أن تقيم علينا حجة هي عندك ليس لها أي حجة.
ألا ترى معي ياصاحبي أن جهاز المنطق عندك في حاجة إلى إصلاح.




الفصل الخامس


الجنة والنار




كان صديقنا الدكتور واثقا من نفسه كل الثقة هذه المرة وهو يلوك الكلمات ببطء ليلقي بالقنبلة


– كيف يعذبنا الله وهو الرحمن الرحيم على ذنب محدود في الزمن بعذاب لا محدود في الأبد ( النارخالدين فيها أبدا)
ومن نحن وماذا نساوي بالنسبة لعظمة الله حتى ينتقم منا هذاالانتقام..
وما الإنسان إلا ذرة أو هبأة في الكون وهو بالنسبة لجلال الله أهون من ذلك بكثير .. بل هو اللاشيء بعينه.
ونحن نصحح معلومات الدكتور فنقول.
أولا – إننا لسنا ذرة ولا هبأة في الكون .. وإن شاننا عند الله ليس هينا بل عظيما..
ألم ينفخ فينا من روحه..
ألم يسجد لنا الملائكة..
ألم يعدنا بميراث السماوات والأرض ويقول عنا :
(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البروالبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).
إن فينا إذا من روح الله.
ونحن بالنسبة للكون لسنا ذرة ولا هبأة..
إننا نبدو بالنظرإلى أجسادنا كذرة أو هبأة بالنسبة للكون الفسيح الواسع.
ولكن ألا نحتوي على هذا الكون ونستوعبه بعقلنا وندرك قوانينه وأفلاكه ونرسم لكل كوكب مداره..
ثم ينزل رائد الفضاء على القمر فيكتشف أن كل ما استوعبناه بعقلنا على الأرض كان صحيحا..
وكل ما رسمناه كان دقيقا.
ألا يدل هذا على أننا بالنظر إلى روحنا أكبر من الكون وأننا نحتوي عليه وأن الشاعر كان على حق حينما خاطب الإنسان قائلا :


وتحسب أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر


وإن الإنسان كما يقول الصوفية هوالكتاب الجامع والكون صفحاته.
إذا الإنسان عظيم الشأن كبير الخطر.
وهو من روح الله.
وأعماله تستوجب المحاسبة.
أما عن الذنب المحدود في الزمان الذي يحاسبنا الله عليه بعذاب اللامحدود في الأبد..
فمغالطة أخرى وقع فيها الدكتورالعزيز الواثق من نفسه.
فالله يقول عن هؤلاء المخلدين في النار حينما يطلبون العودة إلى الدنيا ليعملوا غير ما عملوا..
يقول سبحانه :
(ولو ردوا لعادوالما نهوا عنه وإنهم لكاذبون).
أي أن ذنبهم ليس ذنبا محدودا في الزمان بل هوخصلة ثابتة سوف تتكرر في كل زمان..
ولو ردوا لعادوا إلى ذنبهم وإنهم لكاذبون.
هي إذن صفحة مؤبدة في النفس وليست سقطة عارضة في ظرف عارض في الدنيا.
وهويقول عنهم في مكان آخر :
(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء .. ألا إنهم هم الكاذبون).
هنا لون آخر من الإصراروالتحدي يصل إلى أنهم يواجهون الله بالكذب والحلف الكذب وهم بين يديه يوم الموقف العظيم يوم ترفع الحجب وينكشف الغطاء..
وهذا غاية الجبروت والصلف.
ولسناهنا أمام ذنب محدود في الزمان . بل أمام ذنب مستمر في الزمان وبعد أن يطوى الزمان وكل زمان..
نحن هنا أمام نفس تحمل معها شرها الأبدي.
ومن هنا كان تأبيد العذاب لهذه النفس عدلا.
ولهذا تقول عنهم الآية في صراحة :
(وما هم بخارجين من النار)
ويقول ابن عربي :
إن الرحمة بالنسبة لهؤلاء أنهم سوف يتعودون على النار .. وتصبح تلك النار في الآباد المؤبدة بيئتهم الملائمة.
ولا شك أن هناك مجانسة بين بعض النفوس المجرمة وبين النار..
فبعض تلك النفوس هي في حقيقتها شعلة حسد وحقد وشهوة وغيرة وغل وضرام من الغضب والنقمة والثورة والمشاعر الإجرامية المحتدمة وكأنها نار بالفعل.
مثل تلك النفوس لا تستطيع أن تعيش في سلام .. ولاتستطيع أن تحيا ساعة دون أن تشعل حولها حربا .. ودون أن تضرم حولها النيران .. لأن النيران هي بيئتها وطبيعتها.
ومثل تلك النفوس يكون قرارها في النار هو الحكم العدل ويكون هذا المصير من قبيل وضع الشيء في مكانه..
فلو أنها أدخلت الجنة لماتذوقتها.
ألم تكن ترفض السلام في الأرض ؟
وينبغي أن نفهم النار والجنة في الآخرة فهما واسع الأفق..
فالنار في الآخرة ليست شواية . وليس ما يجري فيها هوالحريق بالمعنى الدنيوي فالله يقول إن المذنبين يتكلمون ويتلاعنون وأن النار فيهاشجرة لها ثمر..
هي شجرة الزقوم التي تخرج من أصل الجحيم .. كما أن فيها ماء حميما يشرب منه المعذبون.
مثل تلك النار التي فيها شجرة الزقوم وفيها ماء..
ويتكلم فيها الناس فلا بد أنها نار غير النار :
(كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون).
إنهم يتكلمون وهم في الناروهي نار :
(وقودها الناس والحجارة)
هذه النار إذا من قبيل الغيب..
وماورد عنها إشارات.
ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي..
فإن العذاب الحسي صريح لا يجوز الشك فيه ونحن نؤمن بوجوده.
وإنما نقول إن تفاصيل هذا العذاب وكيفيته .. كما أن كيفية تلك النار وأوصافها التفصيلية..
هي غيب مجهول .. فهي على ما يبدو في الإشارات القرآنية .. نار غيرالنار..
كما أن أجسامنا في تحملها لتلك النار هي غير الأجسام الترابية الهشة التي لنا الآن…
ونفس الشيء في الجنة .. فهي ليست سوق خضار وبلح ورمان وعنب..
وإنما تلك الأوصاف القرآنية هي مجرد إشارات وضرب أمثلة وتقريب إلى الأذهان.
(مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه)
“مثل الجنة ” .. أي أننا نضرب مثلا يقرب فهم الجنة إليك ولكن الحقيقة أن التفاصيل غيب.
(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بماكانوا يعملون).
(جنة عرضها السموات والأرض).
فهي لا يمكن أن تكون مجرد حديقة.
(وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة).
فهي غير فاكهتنا المقطوعة والممنوعة .. وخمر:
(لا يصدعون عنها ولا ينزفون).
فهي غير خمرنا التي تصدع الرأس وتنزف العقل
ويقول القرآن عن أهل الجنة :
(ونزعنا ما في صدورهم من غل)
ها هنا نفوس طهرت بطريقة لا نعلمها.
الجنة إذا هي الأخرى غيب وليس في هذاالكلام أي إنكار للنعيم الحسي فنحن نؤمن بأن الجنة نعيم حسي ومعنوي معا كما أن النار عذاب حسي ومعنوي ولكن ما نريد تأكيده أن تفاصيل هذا النعيم أو العذاب وكيفياته غيب.
وأن الجنة ليست سوقا للفاكهة والخضار ولا النار فرنا لشوي اللحم.
وإن التعذيب في الآخرة ليس تجبرا من الله على عباده وإنما هو تطهير وتعريف وتقويم ورحمة.
(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)
فالأصل هو عدم العذاب.
والله لا يعذب العارف المؤمن وإنما ينصب عذابه على الجاحد المنكر الذي فشلت معه كل وسائل الهداية والتعريف والتفهيم.
(ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون).


سنة الله أن يذيق هؤلاء من العذاب الأصغر في الدنيا لإيقاظهم من غفلتهم ولإزعاجهم من هذا النوم والسبات .. ” لعلهم يرجعون” .
فإذا لم تفلح كل الوسائل..
وظل المنكر على إنكاره لم يبق إلا مواجهته بالعذاب الحق لتعريفه..
والتعريف بالحق هو عين الرحمة..
ولو أن الله تركهم على عماهم وجهلهم وأهملهم لكان في حقه ظلما..
سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا..فالعرض على النار بالنسبة لهؤلاء الجهال .. عناية.
وكل أفعال الله رحمة..
يرحم الجاهل بالجحيم تأديبا وتعليما.
ويرحم العارف بالجنة فضلا وكرامة.
(عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء)
فجعل رحمته تسع كل شيء حتى العذاب.
ثم دعونا نسأل الدكتور..
أيكون الله أكثر عدلا في نظره لو أنه ساوى بين الظالمين والمظلومين وبين السفاحين وضحاياهم فقدم لكل حفلة شاي في الآخرة.
وهل العدل في نظر الدكتور أن يستوي الأبيض والأسود.
وللذين يستبعدون عن الله أن يعذب نقول : ألا يعذبنا الله بالفعل في دنيانا ؟..
وماذا تكون الشيخوخة والمرض والسرطان إلا العذاب بعينه.
ومن خالق الميكروب ..؟!!
أليست جميعها إنذارات بأننا أمام إله يمكن أن يعذب.


الفصل السادس


وحكاية الإسلام مع المرأة .؟
قال صديقي الدكتور :


_ ألا توافقني أن الإسلام كان موقفه رجعيا مع المرأة؟
وبدأ يعد على أصابعه


– حكاية تعدد الزوجات وبقاء المرأة في البيت.. والحجاب والطلاق في يد الرجل .. والضرب والهجر في المضاجع .. وحكاية ما ملكت أيمانكم .. وحكاية الرجال قوامون على النساء .. ونصيب الرجل المضاعف في الميراث.


قلت له وأنا أستجمع نفسي :


التهم هذه المرة كثيرة .. والكلام فيها يطول.. ولنبدأ من البداية .. من قبل الإسلام .. وأظنك تعرف تماما أن الإسلام جاء على جاهلية ، والبنت التي تولد نصيبها الوأد والدفن في الرمل ، والرجل يتزوج العشرة والعشرين ويكره جواريه على البغاء ويقبض الثمن .. فكان ما جاء به الإسلام من إباحة الزواج بأربع تقييدا وليس تعديدا .. وكان إنقاذ للمرأة من العار والموت والاستعباد والمذلة.
وهل المرأة الآن في أوروبا أسعد حالا في الانحلال الشائع هناك وتعدد العشيقات الذي أصبح واقع الأمر في أغلب الزيجات أليس أ كرم للمرأة أن تكون زوجة ثانية لمن تحب .. لها حقوق الزوجة واحترامها من أن تكون عشيقة في السر تختلس المتعة من وراء الجدران.
ومع ذلك فالإسلام جعل من التعدد إباحة شبه معطلة وذلك بأن شرط شرطا صعب التحقيق وهو العدل بين النساء.
(وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة).. (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)
فنفى قدرة العدل حتى عن الحريص فلم يبق إلا من هو أكثر من حريص كالأنبياء والأولياء ومن في دربهم.
أما البقاءفي البيوت فهو أمر وارد لزوجات النبي باعتبارهن مثلا عليا.
(وقرن في بيوتكن).
وهي إشارة إلى أن الوضع الأمثل للمرأة هي أن تكون أما وربة بيت تفرغ لبيتهاولأولادها
ويمكن أن نتصور حال أمة نساؤها في الشوارع والمكاتب وأطفالها في دورالحضانة والملاجئ ..
أتكون أحسن حالا أو أمة النساء فيها أمهات وربات بيوت والأطفال فيها يتربون في حضانة أمهاتهم والأسرة فيها متكاملة الخدمات.
الرد واضح.
ومع ذلك فالإسلام لم يمنع المقتضيات التي تدعو إلى خروج المرأة وعملها .. وقد كانت في الإسلام فقيهات وشاعرات .. وكانت النساء يخرجن في الحروب .. ويخرجن للعلم.
إنما توجهت الآية إلى نساء النبي كمثل عليا ، وبين المثال والممكن والواقع درجات متعددةوقد خرجت نساء النبي مع النبي في غزواته.
وينسحب على هذا أ نالخروج لمعونة الزوج في كفاح شريف هو أمر لا غبار عليه.
أما الحجاب فهو لصالح المرأة.
وقد أباح الإسلام كشف الوجه واليدين وأمر بستر ما عدا ذلك.
ومعلوم أن الممنوع مرغوب وأن ستر مواطن الفتنة يزيدها جاذبية.
وبين القبائل البدائية وبسبب العري الكامل يفتر الشوق تماما وينتهي الفضول ونرى الرجل لا يخالط زوجته إلامرة في الشهر وإذا حملت قاطعها سنتين.
وعلى الشواطئ في الصيف حينما يتراكم اللحم العاري المباح للعيون يفقد الجسم العريان جاذبيته وطرافته وفتنته ويصبح أمراعاديا لا يثير الفضول.
ولا شك أنه من صالح المرأة أن تكون مرغوبة أكثر وألا تتحول إلى شيء عادي لا يثير.
أما حق الرجل في الطلاق فيقابله حق المرأة أيضا على الطرف الآخر فيمكن للمرأة أن تطلب الطلاق بالمحكمة وتحصل عليه إذا أبدت المبررات الكافية.
ويمكن للمرأة أن تشترط الاحتفاظ بعصمتها عند العقد .. وبذلك يكون لها حق الرجل في الطلاق.
والإسلام يعطي الزوجة حقوقا لا تحصل عليها الزوجة في أوروبا – فالزوجة عندنا تأخذ مهرا .. وعندهم تدفع دوطة ..والزوجة عندنا لها حق التصرف في أملاكها .. وعندهم تفقد هذا الحق بمجرد الزواج ويصبح الزوج هو القيم على أملاكها.
أما الضرب والهجر في المضاجع فهو معاملة المرأة الناشز فقط .. أماالمرأة السوية فلها عند الرجل المودة والرحمة.
والضرب والهجر في المضاجع من معجزات القرآن في فهم النشوز .. وهو يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس العصري فيفهم المسلك المرضي للمرأة.
وكما تعلم يقسم علم النفس هذا المسلك المرضي إلى نوعين :
“المسلك الخضوعي ” وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي ” ماسوشزم”masochism وهو تلك الحالة المرضية التي تلتذ فيها المرأة بأن تضرب وتعذب وتكون الطرف الخاضع.
والنوع الثاني هو:
“المسلك التحكمي ” وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي ” سادزم” sadism وهو تلك الحالة المرضية التي تلتذ فيها المرأة بأن تتحكم وتسيطر وتتجبر وتتسلط وتوقع الأذى بالغير.
ومثل هذه المرأة لا حل لها سوى انتزاع شوكتها وكسر سلاحها التي تتحكم به ، وسلاح المرأة أنوثتها وذلك بهجرها في المضجع فلا يعود لها سلاح تتحكم به..
أما المرأة الأخرى التي لا تجد لذتها إلا في الخضوع والضرب فإن الضرب لها علاج .. ومن هنا كانت كلمة القرآن :
(واهجروهن في المضاجع واضربوهن).
اعجازا علميا وتلخيصا في كلمتين لكل ما أتى به علم النفس في مجلدات عن المرأة الناشز وعلاجها.
أما حكاية ” ما ملكت أيمانكم” التي أشار إليها السائل فإنها تجرنا إلى قضية الرق في الإسلام ..
اتهام المستشرقين للإسلام بأنه دعا إلى الرق .. والحقيقة أن الإسلام لم يدع إلى الرق .. بل كان الدين الوحيد الذي دعا إلى تصفية الرق.
ولو قرأنا الإنجيل .. وما قاله بولس الرسول في رسائله إلى أهل افسس وما أوصى به العبيد لوجدناه يدعو العبيد دعوة صريحة إلى طاعة سادتهم كما الرب.
“أيها العبيد .. أطيعوا سادتكم بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما الرب” .
ولم يأمر الإنجيل بتصفية الرق كنظام وإنما أقصى ما طالب به كان الأمر بالمحبة وحسن المعاملة بين العبيد وسادتهم.
وفي التوراة المتداولة كان نصيب الأحرار أسوأ من نصيب العبيد .. ومن وصايا التوراة أن البلد التي تستسلم بلا حرب يكون حظ أهلها أن يساقوا رقيقا وأسارى والتي تدافع عن نفسها بالسيف ثم تستسلم يعرض أهلها على السلاح ويقتل شيوخها وشبابها ونساؤها وأطفالها ويذبحوا تذبيحا.
كان الاسترقاق إذا حقيقة ثابتة قبل مجيء الإسلام وكانت الأديان السابقة توصي بولاء العبد لسيده.
فنزل القرآن ليكون أول كتاب سماوي يتكلم عن فك الرقاب وعتق الرقاب.
ولم يحرم القرآن الرق بالنص والصريح .. ولم يأمر بتسريح الرقيق .. لأن تسريحهم فجأة وبأمر قرآني في ذلك الوقت وهم مئات الآلاف بدون صناعة وبدون عمل اجتماعي وبدون توظيف يستوعبهم كان معناه كارثة اجتماعية وكان معناه خروج مئات الألوف من الشحاذين في الطرقات يستجدون الناس ويمارسون السرقة والدعارة ليجدوا اللقمة . وهو أمر أسوأ من الرق ، فكان الحل القرآني هو قفل باب الرق ثم تصفية الموجود منه .. وكان مصدر الرق في ذلك العصر هو استرقاق الأسرى في الحروب فأمرالقرآن بأن يطلق الأسير أو تؤخذ فيه فدية وبأن لا يؤخذ الأسرى أرقاء.
(فإما منا بعد .. وإما فداء).
فإما أن تمن على الأسير فتطلقه لوجه الله .. وإما تأخذ فيه فدية.
أما الرقيق الموجود بالفعل فتكون تصفيته بالتدرج وذلك بجعل فك الرقاب وعتق الرقاب كفارة الذنوب صغيرها وكبيرها وبهذا ينتهي الرق بالتدريج.
وإلى أن تأتي تلك النهاية فماذا تكون معاملة السيد لما ملكت يمينه .. أباح له الإسلام أن يعاشرها كزوجته.
وهذه حكاية ” ما ملكت أيمانكم ” التي أشار إليها السائل ولا شك أن معاشرة المرأة الرقيق كالزوجة كان في تلك الأيام تكريما لا إهانة.
وينبغي ألا ننسى موقف الإسلام من العبد الرقيق وكيف جعل منه أخا بعد أن كان عبدا يداس بالقدم.
(إنما المؤمنون إخوة).
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة).
(لايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله).
وقد ضرب محمد عليه الصلاة والسلام المثل حينما تبنى عبدا رقيقا هو زيد بن حارثة فأعتقه وجعل منه ابنه .. ثم زوجه من الحرة سليلة البيت الشريف زينب بنت جحش.
كل هذا ليكسر هذه العنجهية والعصبية.. وليجعل من تحرير العبيد موقفا يقتدى به .. وليقول بالفعل وبالمثال أن رسالته عتق الرقاب.
أما أن الرجال قوامون على النساء فهي حقيقة في كل مكان في البلاد الإسلامية . وفي البلاد المسيحية . وفي البلاد التي لا تعرف إلها ولا دينا.
في موسكو الملحدة الحكام رجال من أيام لينين وستالين وخروشوف وبولجانين إلى اليوم ،وفي فرنسا الحكام رجال ، وفي لندن الحكام رجال ، وفي كل مكان من الأرض الرجال هم الذين يحكمون ويشرعون ويخترعون ، وجميع الأنبياء كانوا رجالا ، وجميع الفلاسفة كانوا رجالا ، حتى الملحنين ” مع أن التلحين صنعة خيال لا يحتاج إلى ……” رجال ،وكما يقول العقاد ساخرا : حتى صناعة الطهي والحياكة والموضة وهي تخصصات نسائية تفوق فيها الرجال ثم انفردوا بها.
وهي ظواهر لا دخل للشريعة الإسلامية فيها .. فهي ظواهر عامة في كل بقاع الدنيا حيث لا تحكم شريعة إسلامية ولا يحكم قرآن.
إنماهي حقائق أن الرجل قوام على المرأة بحكم الطبيعة واللياقة والحاكمية التي خصه بهاالخالق.
وإذا ظهرت وزيرة أو زعيمة أو حاكمة فإنها تكون الطرافة التي تروى أخبارها والإستثناء الذي يؤكد القاعدة.
والإسلام لم يفعل أكثر من أنه سجل هذه القاعدة وهذا يفسر لنا بعد ذلك لماذا أعطى القرآن الرجل ضعف النصيب في الميراث.. لأنه هو الذي ينفق ولأنه هو الذي يعول .. ولأنه هو الذي يعمل.
كان موقف الإسلام من المرأة هو العدل.
وكانت سيرة النبي مع نسائه هي المحبة والحدب والحنان.. الذي يؤثر عنه قوله :
“حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة” .
فذكر النساء مع الطيب والعطر والصلاة وهذا غاية الإعزاز ، وكان آخرما قاله في آخر خطبة له قبل موته هو التوصية بالنساء.
وإذا كان الله قد اختارالمرأة للبيت والرجل للشارع فلأنه عهد إلى الرجل أمانة التعمير والبناء والإنشاء بينما عهد إلى المرأة أمانة أكبر وأعظم هي تنشئة الإنسان نفسه.
وإنه من الأعظم لشأن المرأة أن تؤتمن على هذه الأمانة.
فهل ظلم الإسلام النساء ؟!!







الفصل السابع


هل الدين افيون ..؟


قال لي صاحبي الدكتور وهو يغمز بعينيه :
وما رايك في الذين يقولون ان الدين افيون…!!
وانه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم ويحلموا بالجنة والحور العين..
في حين يثبت الاغنياء على غناهم باعتبار انه حق..
وان الله خلق الناس درجات …؟.
وما رايك في الذين يقولون ان الدين لم ينزل من عند الله..
وانما هو طلع من الارض من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة ..؟
وهو يشير بذلك الى الماديين وافكارهم..
قلت :
ليس ابعد من الخطأ القائل بان الدين افيون .. فالدين في حقيقته اعباء وتكاليف وتبعات..
وليس تخفيفاً وتحللاً .. وبالتالي ليس مهرباً من المسئوليات وليس افيوناً..
وديننا عمل وليس كسل..
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم)
ونحن نقول بالتوكل وليس التواكل..
والتوكل يقتضي عندنا العزم واستفراغ الوسع..

وبذل غاية الطاقة والحيلة.
ثم التسليم بعد ذلك لقضاء الله وحكمه.
(فاذا عزمت فتوكل على الله)
العزم اولاً..
والنبي يقول لمن اراد ان يترك ناقته سائبة توكلاً على حفظ الله ( اعقلها وتوكل)

أي ابذل وسعك اولا فثبتها في عقالها ثم توكل..
والدين صحو وانتباه ويقظة . ومحاسبة للنفس ومراقبة للضمير..
في كل فعل وفي كل كلمة وكل خاطر . وليس هذا حال اكل الافيون.
انما اكل الافيون الحقيقي هوالمادي الذي ينكر الدين هرباً من تبعاته ومسئولياته.
ويتصور ان لحظته ملكه. وانه لاحسيب ولا رقيب ولا بعث بعد الموت..
فيفعل ما يخطر على باله . وأين هذاالرجل من المتدين المسلم الذي يعتبر نفسه مسئولاً عن سابع جار..
واذا جاع فرد في امته او ضربت دابة عاتب نفسه بانه لم يقم بواجب الدين في عنقه..
وليس صحيحاً ان ديننا خرج من الارض .. من الظروف والدواعي الاجتماعية..
ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة وتثبيتاً لغنى الاغنياء وفقر الفقراء..
والعكس هو الصحيح…
فالاسلام جاء ثورة على الاغنياء والكانزين المال والمستغلين الظالمين..
فامر صراحة بالا يكون المال دولة بين الاغنياء يحتكرونه ويتداولونه بينهم..
وانما يكون حقاً للكل..
(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم)
والانفاق يبدا من زكاة اجبارية ( 2،5 ) في المائة..
ثم يتصاعد اختيارياً الى كل ما في الجيب وكل ما في اليد.
فلا تبقي لنفسك الا خبزك .. كفافك..
(يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)
والعفو هو كل ما زاد على الكفاف والحاجة..
وبهذا جمع الاسلام بين التكليف الجبري القانوني والتكليف الاختياري القائم على الضمير..
وهذا اكرم للانسان من نزع املاكه بالقهروالمصادرة..
ووصل إلى الانفاق إلى ما فوق التسعين في المائة بدون ارهاق..
ولم يأت الاسلام ليثبت ظلم الظالمين . بل جاء ثورة صريحة على كل الظالمين.
وجاء سيفاً وحربا على رقاب الطواغين والمستبدين..
اما التهمة التي يسوقها الماديون بأن الدين رجعي وطبقي بدليل الايات..
(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)

(ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات)
فنحن نرد بان هذه الايات تنطبق على لندن وباريس وبرلين وموسكو..
بمثل ما تنطبق على القاهرة ودمشق وجدة..
واذا مشينا في شوارع موسكو فسوف نجد من يسير على رجليه..
ومن يركب بسكليت . ومن يركب عربة موسكوفتش..
ومن يركب عربة زيم فاخرة..
وماذا يكون هذا الا التفاضل في الرزق بعينه والدرجات والرتب الاقتصادية..
والتفاوت بين الناس حقيقة جوهرية..
ولم تستطع الشيوعية ان تلغي التفاوت..
ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة..
والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين..
الناس يولدون من لحظة الميلاد غير متساوين في الذكاء والقوة والجمال والمواهب..
يولدون درجات في كل شيء..
واقصى ما طمعت فيه المذاهب الاقتصادية هي المساواة في الفرص وليس المساواة بين الناس..
ان يلقى كل واحد نفس الفرصة في التعليم والعلاج والحد الادنى للمعيشة..
وهو نفس ما تحض عليه الاديان..
اما الغاء الدرجات والغاء التفاوت فهو الظلم بعينه والامر الذي ينافي الطبيعة..
والطبيعة تقوم كلها على اساس التفاضل والتفاوت والتنوع في ثمار الارض وفي البهائم وفي الناس..
في القطن نجد طويل التيلة . وقصير التيلة..
وفي الحيوان والانسان نجد الرتب والدرجات والتفاوت اكثر..
هذا هو قانون الوجود كله.. التفاضل..
وحكمة هذا القانون واضحة . فلو كان جميع الناس يولدون بخلقة واحدة وقالب واحد ونسخة واحدة..
لما كان هناك داع لميلادهم اصلا.
وكان يكفي ان نأتي بنسخة واحدة فتغني عن الكل..
وكذلك الحال في كل شيء..
ولانتهي الامرإلى فقر الطبيعة وافلاسها..
وانما غنى الطبيعة وخصبها لايظهر الا بالتنوع في ثمارها وغلاتها والتفاوت في الوانها واصنافها..


ومع ذلك فالدين لم يسكت على هذا التفاوت بين الاغنياء والفقراء..
بل امر بتصحيح الاوضاع وجعل للفقير نصيباً من مال الغني.
وقال ان هذا التفاوت فتنة وامتحان..
(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون)
سوف نرى ماذا يفعل القوي بقوته.
هل ينجد بها الضعفاء او يضرب ويقتل ويكون جباراً في الارض …؟
وسوف نرى ماذا يفعل الغني بغناه..
هل يسرف ويطغى ..؟ او يعطف ويحسن ..؟
وسوف نرى ماذا يفعل الفقير بفقره..
هل يحسد ويحقد ويسرق ويختلس..
او يعمل ويكد ويجتهد ليرفع مستوى معيشته بالشرع والعدل..
وقد امر الدين بالعدل وتصحيح الاوضاع بالمساواة بين الفرص..
وهدد بعذاب الاخرة وقال ان الاخرة ستكون ايضاً درجات اكثر تفاوتاً لتصحيح ما لم يجر تصحيحه في الارض.
((وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا))


وللذين يتهمون الإسلام بالرجعية السياسية نقول إن الإسلام أتى بأكثر الشرائع تقدمية في نظم الحكم.

احترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة .. وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه.. فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام إنه يساوي الإنسانية كلها.
(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) .
لا تغني المنجزات ولا الإصلاحات المادية ولا التعمير ولا السدود ولاالمصانع .. إذا قتل الحاكم فردا واحدا ظلما في سبيل هذا الإصلاح ، فإنه يكون قد قتل الناس جميعا.
ذروة في احترام الفرد لم يصل إليها مذهب سياسي قديم أو جديد.. فالفرد في الإسلام له قيمة مطلقة بينما في كل المذاهب السياسية له قيمة نسبية.. والفرد في الإسلام آمن في بيته .. وفي أسراره ” لا تجسس ولا غيبة ” آمن في ماله ورزقه وملكيته وحريته.
كل شيء حتى التحية حتى إفساح المجلس حتى الكلمة الطيبة لها مكان في القرآن.
وقد نهى القرآن عن التجبر والطغيان والإنفراد بالحكم.
وقال الله للنبي ” وهو من هو في كماله وصلاحيته” .
(وما أنت عليهم بجبار).
(فذكر إنما أنت مذكر .. لست عليهم بمسيطر).
(إنما المؤمنون إخوة).
ونهى عن عبادة الحاكم وتأليه العظيم :
(لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله).
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه).
ونهى عن الغوغائية وتملق الدهماء والسوقة والجري وراء الأغلبية المضللة وقال أن :
(بل أكثر الناس لايعلمون).
(بل أكثرهم لا يعقلون).
(أكثر الناس لا يؤمنون).
(إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) . ” يكذبون”
(إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل).
ونهى عن العنصرية والعرقية :
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة).
وبالمعنى العلمي كان الإسلام تركيبا جدليا جامعا بين مادية اليهودية وروحانية المسيحية ، بين العدل الصارم الجاف الذي يقول : السن بالسن والعين بالعين . وبين المحبة والتسامح المتطرف الذي يقول : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.
وجاء القرآن وسطا بين التوراة التي حرفت حتى أصبحت كتابا ماديا ليس فيه حرف واحد عن الآخرة ، وبين الإنجيل الذي مال إلى رهبانية تامة، ونادى القرآن بناموس الرحمة الجامع بين العدل والمحبة فقال بشرعية الدفاع عن النفس ولكنه فضل العفو والصفح والمغفرة.
(ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور).
وإذا كانت الرأسمالية أطلقت للفرد حرية الكسب إلى درجة استغلال الآخرين.. وإذا كانت الشيوعية سحقت هذه الحرية تماما .. فإن الإسلام قدم الحل الوسط.
(للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن).
الفرد حر في الكسب ولكن ليس له أن يأخذ ثمرة أرباحه كلها .. وإنما له فيها نصيب .. وللفقير نصيب يؤخذ زكاة وإنفاقا من 2.5 في المائة إلى 90% جبرا واختيارا .. وهذا النصيب ليس تصدقا وتفضلاوإنما هو حق الله في الربح .. وبهذه المعادلة الجميلة حفظ الإسلام للفرد حريته وللفقير حقه.

ولهذا أصاب القرآن كل الصواب حينما خاطب أمة الإسلام قائلا :
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا).


فقد اختار الإسلام الوسط العدل في كل شيء.
وهو ليس الوسط الحسابي وإنما الوسط الجدلي أو التركيب الذي يجمع النقيضين ” اليمين واليسار ” ويتجاوزهما ويزيد عليهما .. ولذلك ليس في الإسلام يمين ويسار وإنما فيه” صراط ” الاعتدال الوسط الذي نسميه الصراط المستقيم من خارج عنه باليمين أو اليسارفقد انحرف.

ولم يقيدنا القرآن بدستور سياسي محدد أو منهج مفصل للحكم لعلم الله بأن الظروف تتغير بما يقتضي الاجتهاد في وضع دساتير متغيرة في الأزمنة المتغيرة ،وحتى يكون الباب مفتوحا أمام المسلمين للأخذ والعطاء من المعارف المتاحة في كل عصردون انغلاق على دستور بعينه.

ولهذا اكتفى القرآن بهذه التوصيات السياسية العامةالسالفة كخصائص للحكم الأمثل .. ولم يكبلنا بنظرية وهذا سر من أسرار إعجازه وتفوقه وليس فقرا ولا نقصا فيه.
وتلك لمسة أخرى من تقديمة القرآن التي سبقت كل التقديمات.
ونرد على القائلين بأن الدين جمود وتحجر .. بأن الإسلام لم يكن أبدا دين تجمد وتحجر وإنما كان دائما وأبدا دين نظر وفكر وتطوير وتغيير بدليل آياته الصريحة.
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق).
(فلينظر الإنسان مم خلق .. خلق من ماء دافق .. يخرج من بين الصلب والترائب)
(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى
لأرض كيف سطحت).
أوامر صريحة بالنظر في خلق الإنسان وفي خلق الحيوان وفي خلق الجبال وفي طبقات الأرض وفي السماء وأفلاكها .. والتشريح والفسيولوجيا والبيولوجيا وعلم الأجنة.
أوامر صريحة بالسير في الأرض وجمع الشواهد واستنباط الأحكام والقوانين ومعرفة كيف بدأ الخلق .. وهو ما نعرفه الآن بعلوم التطور.




ولا خوف من الخطأ.
فالإسلام يكافئ الذي يجتهد ويخطئ بأجر والذي يجتهد ويصيب بأجرين.
وليس صحيحا ما يقال من أننا تخلفنا بالدين وتدم الغرب بالإلحاد .. والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا.
وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقا كان هناك تقدم وكانت هناك دولة من المحيط إلى الخليج وعلماء مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضيات وابن النفيس في التشريح وجابر بن حيان في الكيمياء.
وكانت الدنيا تأخذ عنا علومنا .. وما زالت مجمعات النجوم وأبراجها تحتفظ إلى الآن بأسمائها العربية في المعاجم الأوروبية .. وما زالوا يسمون جهازالتقطير بالفرنسية imbique ومنه الفعل من كلمة أمبيق العربية. imbiquer ولم يتقدم الغرب بالإلحاد بل بالعلم.
وإنما وقع الخلط مما حدث في العصور الوسطى من طغيان الكنيسة ومحاكم التفتيش وحجرها على العلم والعلماء وما حدث من سجن غاليليو وحرق جيوردانو برونو.
حينما حكمت الكنيسة وانحرف بها البابوات عن أهدافها النبيلة فكانت عنصر تأخر .. فتصور النقاد السطحيون أن هذا ينسحب أيضا على الإسلام وهو خطأ.. فالإسلام ليس بابوية ولا كهنوت ..
الله لم يقم بينه وبين المسلمين أوصياء ولاوسطاء.
وحينما حكم الإسلام بالفعل كان عنصر تقدم كما شرحنا وكما يقول التاريخ مكذبا هذه المزاعم السطحية.
وآيات القرآن الصريحة تحض على العلم وتأمر بالعلم ولا تقيم بين العلم والدين أي تناقض :
(وقل رب زدني علما).
(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).
(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم).
جعل الله الملائكة وأولي العلم في الآية مقترنين بشرف اسمه ونسبته.
وأول آية في القران وأول كلمة كانت ” اقرأ ” والعلماء في القرآن موعودون بأرفع الدرجات :
(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).
وتتكرر كلمة العلم ومشتقاته في القرآن نحوا من ثمانمائة وخمسين مرة.
فكيف يتكلم بعد هذا متكلم عن تناقض بين الدين والعلم أو حجر من الدين على العلم.
والنظر في الدين وتطوير فهمه مطلوب ، وتاريخ الإسلام كله حركات إحياء وتطوير .. والقرآن بريء من تهمة التحجير على الناس وكل شيء في ديننا يقبل التطوير.. ما عدا جوهر العقيدة وصلب الشريعة .. لأن الله واحد ولن يتطور إلى اثنين أوثلاثة .. هذا أمر مطلق .. وكذلك الشر شر والخير خير .. لن يصبح القتل فضيلة ولاالسرقة حسنة ولا الكذب حلية يتحلى بها الصالحون.
وفيما عدا ذلك فالدين مفتوح للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير.
وجوهر الإسلام عقلاني منطقي يقبل الجدل والحوار ويحض على استخدام العقل والمنطق.
وفي أكثر من مكان وفي أكثر من صفحة في القرآن نعثر على التساؤل .. ” أفلا يعقلون ” .. ” أفلا يفقهون” .
وأهل الدين عندنا هم ” أولو الألباب” .
(شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون).
(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها).
احترام العقل في لب وصميم الديانة.
والإيجابية عصبها والثورة روحها.
لم يكن الإسلام أبدا خانعا ولا سلبيا.
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
(إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص).
والجهاد بالنفس والمال والأولاد .. والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب ،ومواجهة اليأس والمصابة والمرابطة في صلب ديننا.
فكيف يمكن لدين بهذه المرونة والعقلانية والعلمية والإيجابية والثورة أن يتهم بالتحجر والجمود إلى من صديق عزيزمثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوليات دينه شيئا ولم يقرأ في قرآنه حرفا


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: