حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود(2)


حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفي محمود(2)


الفصل الثامن


الروح

قال صديقي الدكتور وهو يعلم هذه المرة أن الإشكال سيكون عسيرا.
_ ما دليلك على أن الإنسان له روح وأنه يبعث بعد موت وأنه ليس مجرد الجسد الذي ينتهي إلى تراب .. وماذا يقول دينكم في تحضير الأرواح؟
قلت بعد برهة تفكير :
لاشك أن السؤال اليوم صعب والكلام عن الروح ضرب في تيه والحقائق الموجودة قليلة ولكنها مع ذلك في صفنا نحن وليست في صفكم.


ومضيت برهة أغرقت فيها في التفكير ثم قلت مردفا :
فكر معي قليلا .. إن أول المؤشرات التي تساعدنا على التدليل على وجود الروح..


أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة.
الإنسان له طبيعتان :
طبيعة خارجية ظاهرة مشهودة هي جسده تتصف بكل صفات المادة ، فهي قابلة للوزن والقياس متحيزة في المكان متزمنة بالزمان دائمة التغيروالحركة والصيرورة من حال إلى حال ومن لحظة إلى لحظة فالجسد تتداول عليه الأحوال من صحة إلى مرض إلى سمنة إلى هزال إلى تورد إلى شحوب إلى نشاط إلى كسل إلى نوم إلى يقظة إلى جوع إلى شبع ، وملحق بهذه الطبيعة الجسدية شريط من الانفعالات والعواطف والغرائز والمخاوف لا يكف لحظة عن الجريان في الدماغ.
ولأن هذه الطبيعة والانفعالات الملحقة بها تتصف بخواص المادة نقول إن جسد الإنسان ونفسه الحيوانية هما من المادة.
ولكن هناك طبيعة أخرى مخالفة تماما للأولى ومغايرة لها في داخل الإنسان.
طبيعة من نوع آخر تتصف بالسكون واللا زمان واللا مكان والديمومة .. هي العقل بمعاييره الثابتة وأقيسته ومقولاته .. والضمير بأحكامه ، والحس الجمالي ، والأنا التي تحمل كل تلك الصفات ” من عقل وضمير وحس جمالي وحس أخلاقي”.
والـ أنا غير الجسد تماما وغير النفس الحيوانية التي تلتهب بالجوع والشبق.
الـ أنا هي الذات العميقة المطلقة وعن طريق هذه الذات والكينونة والشخوص والمثول في العالم.. وبأنه هنا وبأنه كان دائما هنا .. وهو شعور ثابت ممتد لا يطرأ عليه التغير لا يسمن ولا يهزل ولا يمرض ولا يتصف بالزمان .. وليس فيه ماض وحاضر ومستقبل .. إنما هو ” آن” مستمر لا ينصرم كما ينصرم الماضي .. وإنما يتمثل في شعور بالدوام .. بالديمومة.
هنا نوع آخر من الوجود لا يتصف بصفات المادة فلا هو يطرأ عليه التغير ولا هو يتحيز في المكان أو يتزمن بالزمان ولا هو يقبل الوزن والقياس .. بالعكس نجد أن هذاالوجود هو الثابت الذي نقيس به المتغيرات والمطلق الذي نعرف به كل ما هو نسبي في عالم المادة.
وأصدق ما نصف به هذا الوجود أنه روحي وأن طبيعته روحية.
ولناأن نسأل بعد ذلك.
أي الطبيعتين هي الإنسان حقا.
هل الإنسان بالحقيقة هوجسده أو روحه.
ولنعرف الجواب علينا أن نبحث أي الطبيعتين هي الحاكمة على الأخرى.
يقول لنا الماديون أن الإنسان هو جسده ، وأن الجسد هو الحاكم وأن كل ما ذكرت من عقل ومنطق وحس جمالي وحس أخلاقي وضمير وهذه ” التخريفة ” التي اسمها الذات أوالـ أنا كل هذه ملحق بالجسد ثانوي عليه تابع له يأتمر بأمره ويقوم على خدمته ويتولى إشباع شهواته وأهوائه.
هذا كلام إخواننا الماديين وهو خطأ ، فالحقيقة أن الجسد تابع وليس متبوعا مأمور وليس آمرا ألا يجوع الجسد فنرفض إمداده بالطعام لأننا قررنا أن نصوم هذا اليوم لله .. ألا يتحرك بشهوة فنزجره ؟!
ألا نصحوا في الصباح فيبدأ الجسد تلقائيا في تنفيذ خطة عمل وضعها العقل وصنف بنودها بندا بندا .. من ساعة إلى ساعة من التابع هنا ومن المتبوع ؟
ولحظة التضحية بالنفس حينما يضع الفدائي حزاما لديناميت حول جسده ويتقدم ليحطم الدبابة ومن فيها .. أين جسده هنا .. أين المصلحةالمادية التي يحققها بموته .. ومن الذي يأمر الآخر .. إن الروح تقرر إعدام الجسد في لحظة مثالية تماما لا يمكن أن يفسرها مذهب مادي بأي مكسب مادي والجسد لا يستطيع أن يقاوم هذا الأمر .. ولا يملك أي قوة لمواجهته ، لا يملك إلا أن يتلاشى تماما.. وهنا يظهر أي الوجودين هو الأعلى .. وأي الطبيعتين هي الإنسان حقا.
وعندنا اليوم أكثر من دليل على أن الجسد هو الوجود الثانوي .. ما يجري الآن من حوادث البتروالاستبدال وزرع الأعضاء .. وما نقرأه عن القلب الإلكتروني والكلية الصناعية وبنك الدم وبنك العيون ومخازن الإكسسوار البشري حيث يجري تركيب السيقان والأذرع والقلوب.
ولن تكون نكتة أن يدخل العريس على عروسه سنة 2000 فيجدها تخلع طقم الأسنان والباروكة والنهود الكاوتشوك والعين الصناعية والساق الخشبية فلا يتبقى منها إلاهيكل مثل شاسيه السيارة بعد نزع الجلد والكراسي والأبواب.
إلى هذه الدرجة يجري فك الجسم وتركيبه واستبداله دون أن يحدث شيء للشخصية لأن هذه الذراع أو تلك الساق أو ذلك الشعر أو العين أو النهد كل هذه الأشياء ليست هي الإنسان .. فها هي تنقل وتستبدل وتوضع مكانها بطاريات ومسامير وقطع من الألومنيوم دون أن يحدث شيء.. فالإنسان ليس هذه الأعضاء وإنما هو الروح الجالسة على عجلة القيادة لتدير هذه الماكينة التي اسمها الجسد.
إنها الإدارة التي يمثلها مجلس إدارة من خلايا المخ .. ولكنها ليست المخ.
فالمخ مثله مثل خلايا الجسد يصدع بالأوامر التي تصدرإليه ويعبر عنها ولكنه في النهاية ليس أكثر من قفاز لها .. قفاز تلبسه هذه اليد الخفية التي اسمها الروح وتتصرف به في العالم المادي.
نفهم من هذه الشواهد كلها أن الإنسان له طبيعتان :
طبيعة جوهرية حاكمة هي روحه.
وطبيعة ثانوية زائلة هي جسده.
وما يحدث بالموت أن الطبيعة الزائلة تلتحق بالزوال والطبيعة الخالدة تلتحق بالخلود فيلتحق الجسد بالتراب وتلتحق الروح بعالمها الباقي.
ولعشاق الفلسفة نقدم دليلا آخر على وجود الروح من الخاصية التي تتميز بها الحركة.
فالحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها.
لا يمكن أن تدرك الحركة وأن تتحرك معها في نفس الفلك وإنما لا بد من عتبة خارجية تقف تقف عليها لترصدها .. ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في أسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته .. لا تستطيع ادراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الأسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج.
ونفس الحالة في قطار يسير بنعومة على القضبان .. لا تدرك حركة مثل هذا القطار وأنت فيه إلا لحظة شروعه في الوقوف أو لحظةإطلالك من النافذة على الرصيف الثابت في الخارج.
وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض .. كما لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وإنما تستطيع رصدها من القمر.
لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها.



ولهذا ما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر ” أي على عتبة خلود ” .ولوكان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبدا ،ولا نصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئا.
وهي نتيجة مذهلة تعني أن هناك جزءا من وجودنا خارجا عن إطار المرور الزمني ” أي خالد ” هو الذي يلاحظ الزمن من عتبة سكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولاينصرم .. ويوم يسقط الجسد ترابا سوف يظل هذا الجزء على حاله حيا حياته الخاصة غيرالزمنية هذا الجزء هو الروح.

وكل منا يستطيع أن يحس بداخله هذا الوجود الروحي على صورة حضور وديمومة وشخوص وكينونة مغايرة تماما للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه.
هذه الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحوالباطني والتي أسميتها حالة حضور .. هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح…
ودليل آخر على طبيعتنا الروحية هو شعورنا الفطري بالحرية ، ولو كنا أجساما مادية ضمن إطار حياة مادية تكمنا القوانين المادية الحتمية لما كان هناك معنى لهذا الشعور الفطري بالحرية.
لنا الروح إذا تعلو على الزمن وتتخطى الموت وتتخطى الحتميات المادية.
ماذاعن البعث إذا.
لم يعد أحد بعد الموت ليخبرنا ماذا جرى له.
ولم يأت يوم البعث لنقدم دليلا ملموسا أو شاهد عيان.
وكل ما يمكن قوله في موضوع البعث أنه حقيقة دينية يرجحها العقل والعلم.
لماذا يرجحها العقل والعلم ؟
لأن شواهد الوجود وظواهره تشير جميعها إلى أن هناك عودا على بدء ودورة لكل شيء .. بعد النهاريأتي الليل ثم يعود من جديد فيأتي النهار ، والشمس تشرق ثم تغرب ثم تعود فتشرق.
الصيف والخريف والشتاء والربيع ثم تعود فتتكرر الدورة من جديد فيأتي الصيف ثم الخريف ثم الشتاء الخ..بعد اليقظة ونوم الليل نعود فنستيقظ من جديد .. وهذا يرجح أنه بعد رقود الموت هناك صحوة بعث .. لأن هناك عودا لكل شيء .. والله يسمي نفسه في القرآن المبدئ المعيد.
(كما بدأكم تعودون).
(يبدأ الخلق ثم يعيده).
ألا يدور كل شيء في فلك من الذرة إلى المجرة ، حتى الحضارات لها دورات والتاريخ له دورات.
الدليل الآخر على البعث هو النظام المحكم الذي ليس فيه بادرة خلل واحدة من أكبر المجرات حتى أصغر الذرات حتى الإلكترون الذي لا يرى نجد النظام والقانون يهيمن على كل شيء .. حتى الإلكترون المتناهي في الصغر لا يستطيع أن ينتقل من فلك إلى فلك في الذرة إلا إذا أعطى أو أخذ مقدارا من الطاقة يساوي حركته.. وكأنه راكب قطار لا يستطيع ،،،،، أي مكان بدون تذكرة .. فكيف نتصور في هذا النظام ،،،،، يهرب قاتل أو يفر ظالم من الجزاء لمجرد أنه ضلل ،،،،، إن العقل يتصورأنه لابد سيلقى جزاءه حتما ، وإن هناك لابد عالما آخر يسوى فيه الحساب .. هكذا يقول العدل.
ونحن مفطورون على تحري العدل وعلى حب العدل والبحث عن العدل ومحاولة تحقيق العدل.
ومع ذلك فالعدل في الدنيا غير موجود.
وكما يقول أهل الفكر إذا كان الظمأ إلى الماء يدل على وجود الماء .. فلا بد أن الظمأ إلى العدل يدل على وجود العدل .. فإن لم يكن موجودا في دنيانا فلا بد أن له يوما وساعة تنصب فيها موازينه.
كل هذه مؤشرات تشير وترجح أن هناك بعثا وحسابا وعالما آخر.
والمؤمن الذي يصدق القرآن في غير حاجة إلى هذه الاستدلالات لأنه آمن بقلبه وأراح نفسه من الجدل.
يبقى بعد ذلك أن نسأل ,, وما الروح :
(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمرربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)
هي لغز ولا أحد يعلم عنها شيئا.
والعجيب أنه كلما جاء ذكر الروح في القرآن ذكرت معها كلمة من أمر ربي.
(يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده).
(ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده).
(تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر).
(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)
دائما كلمة ” من أمرنا ” .. ” من أمره”.. “من أمر ربي ” .. كلما ذكرت الروح.
أيكون أمر الله روحا ؟
وكلمة الله روحا ؟
ألم يقل الله عن المسيح عليه السلام أنه :
(كلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم).
وأنه :
(كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه).
الكلمة.. الأمر .. الروح .. هل هي ألفاظ مترادفة لمعنى واحد.
هي مجرد إشارات.
ولا أحد يعلم الحقيقة إلا العليم.
يبقى بعد ذلك سؤالك عن تحضير الأرواح.
وتحضيرالأرواح عندنا أمر مشكوك فيه.
مشكوك فيه أنه ظواهر الغرفة المظلمة سببها حضورروح فلان أو علان.
ومفكر كبير مثل هنري سودر يقول: إن تلك الظواهر مصدرها العقل الباطن للوسيط والقوى
الروحية للوسيط ذاته.. ولاشيء يحضر بالمرة.
ويقول المفكرون الهنود : إن الذي يتلبس الوسيط أثناء التحضير هي أرواح سفلية تعرف بعض الأشياء عن الموتى وتستخدمها في السخرية بعقول الموجودين والضحك عليهم.
ويقول الصوفية المسلمون إن الذي يحضر في تلك الجلسات ليس الروح ولكن القرين ، وهو الجن الذي كان يصاحب الميت أثناء حياته .. وهو بحكم هذه الصحبة يعرف أسراره .. ولأن الجن معمر فإنه يبقى حيا بعد موت صاحبه .. وهو الذي يحضر الجلسات ويفشي أسرار صاحبه ويقلد صوته وعاداته ليسخر من الموجودين على عادة الجن في عدائهم للإنسان.
وهم يقولون : إننا إذا دققنا جرس المكتب فإن الذي يحضر هو الخادم .. أما السادة فإنهم لا يتركون عالمهم ويحضرون بهذه السذاجة وبالمثل في عالم الأرواح .. فالذي يحضر في الجلسات ويهرج على الموجودين هي الأرواح السفلية والجن ومن في مستواهم.
أماالأرواح البشرية فهي في عالم آخر هو عالم البرزخ ولا يمكن استحضارها .. ولكنها قد تتصل بمن تحب في الحلم أو في اليقظة إذا توفرت الظروف الملائمة.
ومن الجلسات الكثيرة التي حضرناها ومما جمعنا من خبرة خاصة في هذا الموضوع نقول :أنه لا يوجد دليل واحد على أن ظواهر الغرفة المظلمة سببها حضور الروح المطلوبة.
وربما كان رأي الصوفية المسلمين أكثر الآراء تفسيرا لما يحدث.
والمسألة ما زالت قيد البحث.
وللأسف الشعوذات في هذا الموضوع أكثر من الحقائق .. والكلمة الأخيرة لم تقل بعد.
لا شك أنك سوف تضحك على كلمات مثل الجن والأرواح السفلية .. والقرين.
ولك عذرك .. فإذا كنت لا تؤمن بروحك أنت فكيف يتوقع منك أن تؤمن بجني..
وإذا كنت لا تؤمن بالله فكيف ينتظر منك أن تؤمن بشياطينه.
ومع ذلك لو كنت ولدت منذ مئة سنة وجاءك رجل يحدثك عن أشعة غير منظورة تخرق الحديد ،
صور تنتقل في الهواء عبر المحيطات في أقل من ثانية ، ورائد فضاء يمشي على تراب القمر .. ألم تكن تضحك وتقهقه وتستلقي على قفاك أضعاف ما تضحك الآن .. وتقول لنفسك .. هذا رجل هارب من مستشفى المجاذيب ومع ذلك فيا لها من حقائق ملء السمع والبصر الآن00!!



الفصل التاسع


الضميـــــر


قال صاحبي:

أنتم تتكلمون عن الضمير في تقديس كما لو كان شيئًا مطلقًا مع أنه أحد المصنوعات الاجتماعية، عملة نحاسية لا أكثر صكت ودمغت وسبكت في فرن التعاملات الاجتماعية وهو عندنا شيء تتغير أحكامه وضوابطه وفق المصالح الجارية والقيمة التي تفيد نقول عنها خيرًا والقيمة التي تضر نقول عنها شرًا ولو كانت هذه القيمة هي العفة التي تتمسكون بها كعيونكم.




قلت له في هدوء:
نعم .. هذا هو رأي الفلسفة المادية على ما أسمع .. أن الضمير سلطة زجر وردع نبتت من الدواعى الاجتماعية .. مجرد تحصيل خبرة تتفاوت بين شخص وشخص وبين عصر وعصر وبين أمة وأمة.


هذا كلامكم..




ولكن الحقيقة غير ذلك..
الحقيقة أن الضمير نوروضعه الله في الفطرة ومؤشر ودليل وبوصلة نولد بها .. تهدينا إلى الحقائق وكل دورالاكتساب الاجتماعى أنه يجلو مرآة هذه البوصلة ويصقل زجاجها.
ولنا على ذلك براهين تؤيدنا وتشجب كلامكم.


انظر إلى عالم الحيوان حيث لا مجتمع، ترى القطة تتبرز ثم تستدير لتغطى فضلاتها بالتراب، في أي مجتمع قططى تعلمت القطة هذا الوازع؟
وكيف ميزت بين القذارة والنظافة ؟
وأنت ترى القطة تسرق السمكة فإذا ضبطتها وضربتها على رأسها طأطأت ونكست بصرها في إحساس واضح بالذنب .. وتراها تلهو معالأطفال في البيت فتكسر فازة أثناء اللعب .. فماذا يحدث، إنها تجرى في فزع وتختبيء تحت الكراسى وقد أدركت أنها أخطأت.


كل هذه شواهد وملامح ضمير.


وليس في مملكة القطط دواع لنشأة هذه المشاعر .. ولا نرى حتى مجتمعًا قططيًا من الأساس.
وتقاليد الوفاء الزوجى في الحمام..
ونبل الحصان في ارتباطه بصاحبهحتى الموت..
وكبرياء الأسد وترفعه عن الهجوم على فريسته من الخلف .. وخجل الجمل وتوقفه عن مضاجعة أنثاه إذا وجد أن هناك عينًا ترقبه..


ثم تلك الحادثة البليغة التي رآها جمهور المشاهدين في السيرك القومى بالقاهرة .. حينما قفز الأسد على المدرب محمد الحلو من الخلف وأنشب مخالبه في كتفه وأصابه بجرح قاتل..
وبقيةالحادثة يرويها موظفو السيرك .. كيف امتنع الأسد عن الطعام .. وحبس نفسه في زنزانته لا يبرحها .. وكيف نقلوه إلى حديقة الحيوان وقدموا له أنثى لتروح عنه فضربها وطردها.. وظل على صيامه ورفضه للطعام ثم انقض على يده الآثمة وظل يمزقها حتى نزف ومات.
حيوان ينتحر ندمًا وتكفيرًا عن جريمته.
من أي مجتمع في دنيا السباع أخذ الأسد هذه التقاليد .. هل في مجتمع السباع أن افتراس الإنسان جريمة تدعو إلى الانتحار.
نحن هنا أمام نبل وخلق وضمير لا نجده في بشر.
ونحن أمام فشل كاملللتفسير الماديّ وللتصور الماديّ لحقيقة الضمير.
ولا تفسير لما نراه سوى ما يقولهالدين .. من أن الضمير هو نور وضعه الله في الفطرة وأن كل دور الاكتساب الاجتماعيأن يجلو صدأ النفس فتشف عن هذا النور الالهي.
وهذا هو ما حدث بين الأسد ومدربه.. المعاشرة والمحبة والمصاحبة صقلت تلك النفس الحيوانية فأيقظت ذلك القبس الرحمانى.. فإذا بالأسد يحزن ويندم وينتحر كمدًا كالبشر.
((الحلال بين والحرام بين))… كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام.
((استفت قلبك وإن أفتاك الناس)).
لسنا في حاجة إلى كلية شريعة لنعرف الخطأ من الصواب والحق من الحلال.. فقد وضع الله في قلب كل منا كلية شريعة .. وميزانا لا يخطئ .. وكل ما نحن مطالبونبه أن نجلو نفوسنا من غواشى المادة ومن كثافة الشهوات فنبصر ونرى ونعرف ونميز بدون عكاز “الخبرة الاجتماعية” وذلك بنور الله الذي اسمه الضمير.


((يِا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ))[ الأنفالالآية 29]


يقول الله في الحديث القدسي للصوفي محمد بن عبد الجبار:
“كيف تيأس منّي وفي قلبك سفيري ومتحدثي”.
الضمير حقيقة ثابتة والقيم الأخلاقية الأساسية هي بالمثل ثابتة فقتل البريء لن يصبح يومًا ما فضيلة وكذا السرقة والكذب وإيذاء الآخرين والفحشاء والفجور والبذاءة والغلظة والقسوة والنفاق والخيانة كل هذه نقائض خلقية، وسوف تظل هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وكذلك سوف تظل المحبة والرحمة والصدق والحلم والعفو والإحسان فضائل .. ولن تتحول إلى جرائم إلاإذا فسدت السماوات والأرض وساد الجنون وانتهى العقل.




الفصل العاشر


هل مناسك الحج وثنية ؟



قال صاحبي وهويفرك يديه ارتياحا ويبتسم ابتسامة خبيثة تبدي نواجذه وقد لمعت عيناه بذلك البريق الذي يبدو في وجه الملاكم حينما يتأهب لتوجيه ضربة قاضية.
ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة . ذلك البناء الحجري الذي تسمونه الكعبة وتتمسحون به وتطوفون حوله ، ورجم الشيطان .. والهرولة بين الصفا والمروة ، وتقبيل الحجرالأسود..
وحكاية السبع طوفات والسبع رجمات والسبع هرولات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية في الشعوذات القديمة ، وثوب الإحرام الذي تلبسونه على اللحم..
لا تؤاخذني إذا كنت أجرحك بهذه الصراحة ولكن لا حياء في العلم.
وراح ينفث دخان سيجارته ببطء ويراقبني من وراء نظارته.
قلت في هدوء :
ألا تلاحظ معي أنت أيضا أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر ،الإلكترون في الذرة يدور حول النواة ، والقمر حول الأرض ، والأرض حول الشمس ،والشمس حول المجرة ، والمجرة حول مجرة أكبر ، إلى أن نصل إلى ” الأكبر مطلقا ” وهوالله .. ألا نقول ” الله أكبر ” .. أي أكبر من كل شيء..
وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله..
وهذا هو قانون الأصغر والأكبرالذي تعلمته في الفيزياء..
أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله..
وهوأول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله..
فأصبح من ذلك التاريخ السحيق رمزا وبيت الله..
ألا تطوفون أنتم حول رجل محنط في الكرملين تعظمونه وتقولون أنه أفاد البشرية ، ولو عرفتم لشكسبير قبرا لتسابقتم إلى زيارته بأكثر مما نتسابق إلى زيارة محمد عليه الصلاة والسلام..
ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون أنه يرمز للجندي المجهول فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجرا على نصب رمزي نقول أنه يرمز إلى الشيطان..
ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك ثم بعد موتك يبدأ ابنك الهرولة من جديد وهي نفس الرحلة الرمزية من الصفا ” الصفاء أو الخواء أو الفراغ رمز للعدم” إلى المروة وهي النبع الذي يرمز إلى الحياة و الوجود..
من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم..
أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات..
ألا ترى في مناسك الحج تلخيصا رمزيا عميقا لكل هذه الأسرار.
ورقم 7 الذي تسخر منه .. دعني أسألك ما السر في أن درجات السلم الموسيقي 7 صول لا سي دو ري مي فا ثم بعد المقام السابع يأتي جواب الصول من جديد .. فلا نجد 8 وإنما نعود إلى سبع درجات أخرى وهلم جرا ، وكذلك درجات الطيف الضوئي 7 وكذلك تدور الإلكترونات حول نواة الذرة في نطاقات 7 والجنين لا يكتمل إلا في الشهر 7 وإذا ولد قبل ذلك يموت وأيام الأسبوع عندنا وعند جميع أفراد الجنس البشري 7 وضعوها كذلك دون أن يجلسوا ويتفقوا..
ألا يدل ذلك على شيء ..أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية.
ألا تقبل خطابا من حبيبتك .. هل أنت وثني ؟ فلماذا تلومنا إذا قبلنا إذا قبلنا ذلك الحجر الأسود الذي حمله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في ثوبه وقبله . لا وثنيةفي ذلك بالمرة .. لأننا لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها .. وإنما نحوالمعاني العميقة والرموز والذكريات.
إن مناسك الحج هي عدة مناسبات لتحريك الفكروبعث المشاعر وإثارة التقوى في القلب . أما ثوب الإحرام الذي نلبسه على اللحم ونشترط ألا يكون مخيطا فهو رمز للخروج من زينة الدنيا وللتجرد التام أمام حضرةالخالق .. تماما كما نأتي إلى الدنيا في اللفة ونخرج من الدنيا في لفة وندخل القبرفي لفة .. ألا تشترطون أنتم لبس البدل الرسمية لمقابلة الملك ونحن نقول : إنه لاشيء يليق بجلالة الله إلا التجرد وخلع جميع الزينة لأنه أعظم من جميع الملوك ولأنه لا يصلح في الوقفة أمامه إلا التواضع التام والتجرد .. ولأن هذا الثوب البسيط الذي يلبسه الغني والفقير والمهراجا والمليونير أمام الله فيه معنى آخر للأخوة رغم تفاوت المراتب والثروات.
والحج عندنا اجتماع عظيم ومؤتمر سنوي..
ومثله صلاة الجمعة وهي المؤتمر الصغير الذي نلتقي فيه كل أسبوع.
هي كلها معان جميلة لمن يفكر ويتأمل .. وهي أبعد ما تكون عن الوثنية.
ولو وقفت معي في عرفة بين عدة ملايين يقولون الله أكبر ويتلون القرآن بأكثر من عشرين لغة ويهتفون لبيك اللهم لبيك ويبكون ويذوبون شوقا وحبا – لبكيت أنت أيضا دون أن تدري وتذوب في الجمع الغفير من الخلق .. وأحسست بذلك الفناء والخشوع أمام الإله العظيم مالك الملك الذي بيده مقاليد كل شيء.





الفصل الحادي عشر


لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد؟



قال صاحبي وهو ينتقى عباراته:


لا أريد أن أجرحك فأنا أعلم اعتزازك بالقرآن وأنا معك في أنه كتاب قيم.. ولكن لماذا لا يكون من تأليف محمد؟.. إن رجلا في عظمة محمد لا يستغرب منه أن يضع كتابا في عظمة القرآن..
سوف يكون هذا منطقيا أكثر من أن نقول إن الله أنزله. فإنا لم نر الله ينزل من السماء شيئا.. ونحن في عصر من الصعب أن نقنع فيه إنسانا بأن هناك ملاكا اسمه جبريل نزل من السماء بكتاب ليوحى به إلى أحد.


قلت في هدوء:
بل نحن في عصر يسهل فيه تماما أن نصدق بأن هناك ملائكة لا ترى، وبأن الحقائق يمكن أن تلقى إلى الإنسان وحيا.. فهم يتكلمون اليوم عن أطباق طائره تنزل على الأرض. كواكب بعيدة وأشعة غيرمنظورة تقتل، وأمواج لاسلكية تحدد الأهداف وتضربها.. وصور تتحول إلى ذبذبات في الهواء ثم تستقبل في أجهزة صغيرة كعلب التبغ.. وكاميرات تصور الأشباح.. وعيون ترى في الظلام.. ورجل يمشى على القمر.. وسفينة تنزل على المريخ.. لم يعد غريبا أن نسمع أن الله أرسل ملكا خفيا من ملائكته.. وأنه ألقى بوحيه على أحد أنبيائه.. لقد أصبح وجود جبريل اليوم حقيقة من الدرجة الثانية.. وأقل عجبا وغرابة مما نرى ونسمع كل يوم.


أما لماذا لا نقول إن القرآن من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام.. فلأن القران بشكله وعباراته وحروفه وما احتوى عليه من علوم ومعارف وأسرار وجمال بلاغى ودقة لغوية هو مما لا يدخل في قدرة بشر أن يؤلفه.. فإذا أضفنا الى ذلك أن محمداعليه الصلاة والسلام كان أميا، لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم في مدرسة ولم يختلط بحضارة، ولم يبرح شبه الجزيرة العربية، فإن احتمال الشك واحتمال إلقاء هذا السؤال يغدو مستحيلا.. والله يتحدى المنكرين ممن زعموا أن القرآن مولف.


“قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله” استعينوا بالجن والملائكة وعباقرة الإنس وأتوا بسورة من مثله ومازال التحدى قائما ولم يأت أحد بشيء… إلا ببعض عبارات مسجوعة ساذجة سموها “سورة من مثله”… أتى بها أناس يعتقدون أن القرآن مجرد كلام مسجوع.. و لكن سورة من مثله.. أي بها نفس الإعجاز البلاغي و العلمي..


وإذا نظرنا إلى القرآن في حياد وموضوعية فسوف نستبعد تماما أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام هو مؤلفه.
أولا: لأنه لو كان مؤلفه لبث فيه همومه وأشجانه، ونحن نراه في عام واحد يفقد زوجه خديجة وعمه أبا طالب ولا سند له في الحياة غيرهما.. وفجيعته فيهما لا تقدر.. ومع ذلك لا يأتي لهما ذكر في القرآن ولا بكلمة.. وكذلك يموت ابنه إبراهيم ويبكيه، ولا يأتى لذلك خبر في القرآن.. القرآن معزول تماما عن الذات المحمدية.


بل إن الآية لتأتى مناقضة لما يفعله محمد وما يفكر فيه.. وأحيانا تنزل الآية معاتبة له كما حدث بصدد الأعمى الذي انصرف عنه النبي إلى أشراف قريش:
“عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى، 1- 4 عبس
وأحيانا تنزل الآية فتنقض عملا من أعمال النبي:
“ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيزحكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم” 67- 68- الأنفال
وأحيانا يأمر القرآن محمد بأن يقول لأتباعه ما لا يمكن أن يقوله لو أنه كان يؤلف الكلام تأليفا:
“قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل بي ولابكم” 9- الأحقاف
لا يوجد نبي يتطوع من تلقاء نفسه ليقول لأتباعه لا أدرى ما يفعل بي ولا بكم.. لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا.. ولا أملك لكم ضرا ولا نفعا. فإن هذا يؤدى إلى أن ينفض عنه أتباعه.
وهذا ما حدث فقد اتخذ اليهود هذه الآية عذرا ليقولوا..ما نفع هذا النبي الذي لا يدرى ماذا يفعل به ولا بنا.. هذا رجل لا جدوى فيه. مثل هذه الآيات ما كان يمكن أن يؤلفها النبي لو كان يضع القرآن من عند نفسه.
ثانيا: لو نظرنا بعد ذلك في العبارة القرآنية لوجدنا أنها جديدة منفردة في رصفها وبنائها ومعمارها ليس الا شبيه فيما سبق من أدب العرب ولا شبيه فيما أتى لاحقا بعد ذلك..حتى لتكاد اللغة تنقسم إلى شعر ونثر وقرآن.. فنحن أمام كلام هو نسيج وحده لا هو بالنثر ولا بالشعر. فموسيقى الشعر تأتى من الوزن ومن التقفية فنسمع الشاعر ابن الأبرص الأسدى ينشد:
أقفر من أهله عبيد فليس يبدى ولا يعيد
هنا الموسيقى تخرج من التشطير ومن التقفية على الدال الممدودة، فهي موسيقى خارجية.. أما موسيقى القران فهي موسيقى داخلية: (والضحى. والليل إذ ا سجى) 1- 2- الضحى
لا تشطير ولاتقفية في هذه العبارة البسيطة، ولكن الموسيقى تقطر منها.. من أين؟ إنها موسيقى داخلية.


اسمع هذه الآيات:
“رب إني وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا”4- مريم
وهذه الآيات:
“طه. ما انزلنا عليك القران لتشقى.إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى.
الرحمن على العرش استوى” 1-5- طه
فإذا تناولت الآيات تهديدا تحول بناء العبارة ونحتها إلى جلاميد صخر.وأصبح للإيقاع صلصلة نحاسية تصخ السمع:
“إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر”19- 20- القمر
كلمات مثل “صرصرا”.. “ومنقعر”.. كل كلمة كأنها جلمود صخر. فإذا جاءت الآية لتروى خبرا هائلا كما في نهاية الطوفان تقاصرت العبارات وكأنها إشارات “مورس ” التلغرافية. وأصبحت الآية كلها كأنها تلغراف مقتضب له وقع هائل:
“وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى ا لأمر”44- هود
هذا التلون في نحت الألفاظ وفي بناء العبارة وفي إيقاع الكلمات مع المعاني والمشاعر.. يبلغ في القرآن الذروة ويأتي دائما منسابا لاتكلف فيه ولاتعمل.
ثالثا: إذا مضينا في التحليل أكثر فإنا سنكتشف الدقة البالغة والإحكام المذهل.. كل حرف في مكانه لا تقديم ولا تأخير.. لا تستطيع أن تضع كلمة مكان كلمة، ولا حرفا مكان حرف.. كل لفظة تم اختيارها من مليون لفظة بميزان دقيق.
وسنرى أن هذه الدقة البالغة لا مثيل لها في التأليف.
انظر إلى هذه الكلمة “لواقح ” في الآية:
“وأرسلنا الرياح لواقح”22- الحجر
وكانوا يفسرونها في الماضي على المعنى المجازى بمعنى أن الرياح تثير السحب فتسقط المطر فيلقح الأرض بمعنى “يخصبها” ثم عرفنا اليوم أن الرياح تسوق السحب إيحابية التكهرب وتلقى بها في أحضان السحب سالبة التكهرب فيحدث البرق والرعد والمطر.. وهي بهذا المعنى “لواقح” أيضا، ونعرف الان أيضا أن الرياح تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى زهرة فتلقحها بالمعنى الحرفي، ونعرف أخيرا أن المطر لا يسقط إلا بتلقيح قطيرات الماء بذرات الغبار فتنمو القطيرات حول هذه الأنوية من الغبار وتسقط مطرا. ها نحن أولاء امام كلمة صادقة مجازيا وحرفيا وعلميا، ثم هي بعد ذلك جميلة فنيا وأدبيا وذات إيقاع حلو.
هنا نرى منتهى الدقة في انتقاء اللفظة ونحتها، وفي آية أخرى:
(ولاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون )188- البقرة كلمة “تدلوا”.
مع أن الحاكم الذي تلقى إليه الأموال في الأعلى وليس في الأسفل.. لا، إن القران يصحح الوضع، فاليد التي تأخذ الرشوة هي اليد السفلى ولو كانت يد الحاكم.. ومن هنا جاءته كلمة “تدلوا بها إلى الحكام ” لتعبر في بلاغة لامثيل الا عن دناءة المرتشى وسفله.
وفي آية الجهاد:
“ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض ” 38- التوبة
القرآن يستعمل كلمة ” اثَّاقلتم ” بدلا من تثاقلتم.. يدمج الحروف إدماجا،ويلصقها إلصاقا ليعبر عن جبن الجبناء الذين يلتصقون بالأرض “ويتربسون ” فيها من الخوف إذا دعوا إلى القتال، فجاءت حروف الكلمة بالمثل “متربسة”.
وفي آية قتل الأولاد من الفقر نراها جاءت على صورتين:
“ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم” 151- الأ نعام
“ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم”31- الإسر اء
والفرق بين الآيتين لم يأت اعتباطا، وإنما جاء لأسباب محسوبة..فحينما يكون القتل من إملاق فإن معناه أن الأهل فقراء في الحاضر، فيقول: نحن”نرزقكم ” وإياهم. وحينما يكون قتل الأولاد خشية إملاق فإن معناه أن الفقر هواحتمال في المستقبل ولذا تشير الآية إلى الأبناء فتقول نحن “نرزقهم ” وإياكم. مثل هذه الفروق لا يمكن أن تخطر على بال مؤلف. وفي حالات التقديم والتأخير نجد دائما أنه لحكمة، نجد أن السارق مقدم على السارقة في آية السرقة، في حين أن الزانية مقدمة على الزانى في آية الزنى.. وذلك لسبب واضح، أن الرجل أكثر إيجابية في السرقة.. أمافي الزنى فالمرأة هي التي تأخذ المبادرة، من لحظة وقوفها أمام المرآة تضع” البارفان ” ولمسات ” التواليت ” وتختار الفستان أعلى الركبة فإنها تنصب الفخاخ للرجل الموعود.
“الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ” 2- النور
“والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما”38- الماند
وبالمثل تقديم السمع على البصر في أكثر من 16 مكانا
“وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة”78- النحل
“وجعلنا لكم سمعا وأبصارا وأفئدة” 26- الأحقاف
“أسمع بهم وأبصر”38- مريم
“إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا”36 الإسراء
“وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم” 22- فصلت
“ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”11- الشورى
دائما السمع أولا.
ولا شك أن السمع أكثر إرهافا وكمالا من البصر.إننا نسمع الجن ولا نراه.والأنبياء سمعوا الله وكلموه ولم يره أحد.
وقد تلقى محمد القرآن سمعا. والأم تميز بكاء ابنها في الزحام ولا تستطيع أن تميز وجهه.والسمع يصاحب الإنسان أثناء النوم فيظل صاحيا في حين تنام عيناه، ومن حاول تشريح جهاز السمع يعلم أنه أعظم دقة وإرهافا من جهاز البصر.
وبالمثل تقديم المال على الولد:
“يوم لاينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم” 88- 89- الشعراء
“إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم ” 15- التغابن
“لن تغنى عنكم أموالكم ولا أولادهم من الله شيئا، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”
16- آل عمران
“أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون”55- 56- المؤمنون
“فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ألله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا” 55- التو بة
“اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته” 20- الحديد
والأمثلة على هذا التقديم كثيرة والسر أن المال عند أكثر الناس أعز من الولد.



ثم الدقة والخفاء واللطف في الإعراب. انظر إلى هذه الآية:
“وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”9- الحجرات

مرة عوملت الطائفتان على أنهما جمع “اقتتلوا” ومرة على أنهما مثنى “فأصلحوا بينهما” والسر لطيف.
فالطائفتان في القتال تلتحمان وتصبحان جمعا من الأذرع المتضاربة.. في حين أنهما في الصلح تتفصلان إلى اثنين.. وترسل كل واحدة عنها مندوبا، ومن هنا قال:


وإن طائفتان من المؤمنين “اقتتلوا” فأصلحوا “بينهما”!
حتى حروف الجر والوصل والعط فتأتى وتمتنع في القرآن لأسباب عميقة، وبحساب دقيق محكم.
مثلا تأتي كلمة “يسألونك” في أماكن عديدة من ا لقرآن:
“يسألونك ماذا ينفقون قل العفو”219- البقرة
“يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي”85- الإسراء
“يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج “189- البقرة
دائما الجواب بكلمة “قل”.. ولكنها حين تأتى عن الجبال:
“ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا”105- طه
هنا لأول مرة جاءت “فقل ” بدلا من “قل”.
والسبب ان كل الأسئلة السابقة كانت قد سئلت بالفعل، اما سؤال الجبال فلم يكن قد سئل بعد، لأنه من أسرار القيامة،وكأنما يقول الله: فإذا سألوك عن الجبال “فقل “.. فجاءت الفاء زاندة لسبب محسوب.
أما في الآية:
“)وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع” 186- البقرة
هنا لا ترد كلمة “قل ” لأن السؤال عن ذات الله.. والله أولى بالإجابة عن نفسه..
كذلك الضمير أنا ونحن.
يتكلم الله بضمير الجمع حيثما يكون التعبير عن “فعل ” إلهي تشترك فيه جميع الصفات الإلهية كالخلق، وإنزال القرآن وحفظه:
“إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون،” 9- الحجر
“نحن خلقناكم فلولاتصدقون” 57- الواقعة
“إنا أنزلناه في ليلة القدر” 1- القدر
“أفرأيتم ماتمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون”58- 59- ا لواقعة
“نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا” 28- ا لإنسان
“ونحن ” هنا تعبر عن جمعية الصفات الإلهية وهي تعمل في إبداع عظيم مثل عملية الخلق.
أما إذا جاءت الآية في مقام مخاطبة بين الله وعبده كما في موقف المكالمة مع موسى.. تأتي الآية بضميرالمفرد
“إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى” 14- طه
الله يقول: “أنا” لأن الحضرة هنا حضرة ذات، وتنبيها منه سبحانه على مسألة التوحيد والوحدانية في العبادة.
ونجد مثل هذه الدقة الشديدة في آيتين متشابهتين عن الصبر تفترق الواحدة عن الأخرى في حرف اللام.


يقول لقمان لولده:
“واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، 17- لقمان وفي آية أخرى عن الصبر نقرأ:
“ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” 43- الشورى
الصبر في الأولى “من عزم الأمور” وفي الثانية “لمن عزم الامور”.. وسر التوكيد باللام في الثانية أنه صبر مضاعف، لأنه صبر على عدوان بشري لك فيه غريم، وأنت مطالب فيه بالصبر والمغفرة وهو أمر اشد على النفس من الصبر على القضاء الإلهي الذي لا حيلة فيه.
ونفس هذه الملاحظة عن “اللام ” نجدها مرة أخرى في آيتين عن إنزال المطروإنبات الزرع:
“أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا”، “أي مالحا” 68- 70- الواقعة وفي آية ثانية:
“أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما” 63- 65- الواقعة في الآية الأولى “جعلناه ” أجاجا.. وفي الآية الثانية”لجعلناه ” حطاما واللام جاءت في الثانية لضرورة التوكيد، لأن هناك من سوف يدعى بأنه يستطيع أن يتلف الزرع كما يتلفه الخالق، ويجعله حطاما. في حين لن يستطيع أحد من البشر أن يدعى أن في إمكانه أن ينزل من سحب السماء مطرا مالحا فلا حاجة إلى توكيد باللام.
ونفس هذه الدقة نجدها في وصف إبراهيم لربه في القرآن بأنه: “الذي يميتنى ثم يحيين” 81- الشعراء
“والذي هو يطعمنى ويسقين”79- الشعراء.
فجاء بكلمة”هو” حينما تكلم عن “الإطعام ” ليؤكد الفعل الإلهي، لأنه سوف يدعى الكل أنهم يطعمونه. ويسقونه، على حين لن يدعى أحد بأنه يميته ويحييه كما يميته الله ويجييه.
ونجد هذه الدقة أيضا حينما يخاطب القرآن المسلمين قائلا:
“اذكروني أذكركم “152- البقرة- ويخاطب اليهود قائلا:
“اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم”40- البقرة
فاليهود ماديون لا يذكرون الله إلا في النعمة والفاندة والمصلحة والمسلمون أكثر شفافية ويفهمون معنى أن يذكر الله لذاته لا لمصلحة.. وبنفس المعنى يقول الله للخاصة من أولى الألباب:
“اتقون يا أولى الألباب “197- البقرة- ويقول للعوام:
“اتقوا النار التي وقود ها الناس والحجارة”24- البقرة
لأن العوام لايردعهم إلا النار، أما الخاصة فهم يعلمون أن الله أقوى من كل نار، وأنه يستطيع أن يجعل النار بردا وسلاما إن شاء. ونجد مثل هذه الدقة البالغة في اختيار اللفظ في كلام إبليس حينما أقسم على ربه قائلا:
“فبعزتك لأغوينهم أجمعين”82- ص
أقسم إبليس بالعزة الإلهية ولم يقسم بغيرها، فأثبت بذلك علمه وذكاءه، لأن هذه العزة الإلهية هي التي اقتضت استغناء الله عن خلقه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولن يضروا الله شيئا، فهو العزيز عن خلقه، الغني عن العالمين.
ويقول الله في حديثه القدسى:
“هؤلاء في النار ولا أبالى، وهؤلاء في الجنة ولا أبالى”.
وهذا مقتضى العزة الإلهية.
وهي الثغرة الوحيدة التي يدخل منها إبليس، فهو بها يستطيع أن يضل ويوسوس، لأن الله لن يقهر أحدا اختار الكفر على الإيمان.. ولهذا قال “فبعزتك” لأغوينهم أجمعين.
“لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم”16- 17 الأعراف
ذكر الجهات الأربع، ولم يذكر من فوقهم ولا من تحتهم. لأن “فوق ” الربوبية، “وتحت ” تواضع العبودية.. ومن لزم مكانه الأدنى من ربه الأعلى لن يستطيع الشيطان أن يدخل عليه.
ثم ذكر إبليس أن مقعده المفضل للإغواء سوف يكون الصراط المستقيم.. على طريق الخير وعلى سجادة الصلاة، لأن تارك الصلاة والسكير والعربيد ليس في حاجة إلى إبليس ليضله، فقد تكفلت نفسه بإضلاله، إنه إنسان خرب.. وإبليس لص ذكى، لا يحب أن يضيع وقته بأن يحوم حول البيوت الخربة.
متال آخر من أمثلة الدقة القرآنية نجده في سبق المغفرة على العذاب والرحمة على الغضب في القرآن.. فالله في “الفاتحة” هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون مالك يوم الدين.. وهو دائما يوصف بأنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء… تأتى المغفرة أولا قبل العذاب إلا في مكانين في اية قطع اليد: “يعذب من يشاء ويغفرلمن يشاء”40- المائده
لأن العقوبة بقطع اليد عذاب دنيوى.. تليه مغفرة أخروية.. وفي كلام عيسى يوم القيامة عن المشركين الذين عبدوه من دون الله.. فيقول لربه: “إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم”
فلا يقول فإنك أنت الغفور الرحيم تأدبا.. ويذكر الم العذاب قبل المغفرة.. لعظم الإثم الذي وقعوا فيه.
ونجد هذه الدقة القرانية مرة أخرى في تناول القرآن للزمن.. فالمستقبل يأتي ذكره على لسان الخالق على أنه ماض.. فأحداث يوم القيامة ترد كلها على أنها ماض:
“ونفخ في الصور”99- الكهف
“وانشقت السماء فهي يومئذ واهية”16- الحاقة
“وبرزت الجحيم للغاوين” 91- الشعراء
“وعرضوا على ربك صفا”48- الكهف
والسر في ذلك أن كل الأحداث حاضرها ومستقبلها قد حدثت في علم الله وليس عند الله زمن يحجب عنه المستقبل، فهو سبحانه فوق الزمان والمكان، ولذا نقرأ العبارة القرآنية أحيانا فنجد أنها تتحدث عن زمانين محتلفين، وتبدو في ظاهرها متناقضة مثل:
“أتى أمر الله فلاتستعجلوه”1- النحل
فالأمر قد أتى وحدث في الماضي. لكن الله يخاطب الناس بألا يستعجلوه كا لو كان مستقبلا لم يحدث بعد.. والسر كما شرحنا أنه حدث في علم الله،لكنه لم يحدث بعد في علم الناس، ولا تناقض.. وإنما دقة وإحكام، وخفاء واستسرار،وصدق في المعاني العميقة.
هذه بعض الأمثلة للدقة البالغة والنحت المحكم في بناءالعبارة القرآنية وفي اختيار الألفاظ واستخدام الحروف لا زيادة ولا نقص، ولا تقديم ولا تأخير، إلا بحساب وميزان، ولا نعرف لذلك مثيلا في تأليف أو كتاب مؤلف، ولا نجده إلا في القرآن.
أما لمحات العلم في القران وعجائب الآيات الكونية التي أتت بالأسرار والخفايا التي لم تكتشف إلا في عصرنا، والتي لم يعرفها محمد! ولا عصره فهي موضوع آخر يطول، وله جلسة أخرى


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: