مذكرات مصطفى محمود(كامله)

مذكرات مصطفى محمود (1).. 

رحلة الشك تبدأ من صرصار!!




مصطفى محمود يتأمّل..!


أخيرا خرج راهب العلم عن سكوته، وتكلّم عن الصومعة التي نشأ فيها فخرج منها ذاك المفكر الثائر الشكاك لأقصى الحدود، ورغم ذلك مؤمن وموحد. د.مصطفى محمود يتحدّث عن نشأته ورحلته مع الشك، ووالده وإمام مسجده في مذكراته التي تظهر لأول مرة في وسائل الإعلام من خلال جريدة “المصري اليوم” التي توالى نشرها في حلقات تباعاً.
“ولد بيني وبين المرض صداقة، ويبدو أن ذلك يرجع إلى أنني ابن سبعة أشهر”

يتعرّض الأديب والمفكر والعالم مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ -هذا هو اسمه كاملا حيث يرجع نسبه للإمام علي بن أبي طالب- إلى بداياته الأولى ومولده في الـ20 من ديسمبر بقرية ميت خاقان بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، ليفاجأ القرّاء بأن والده كان الزوج الثالث لأمه، وأن أمه كانت الزوجة الثالثة لوالده، وأنه لم يأتِ لهذه الدنيا وحيدا؛ بل جاء بصحبة توأم له اسمه سعد؛ ولكن الله لم يشأ أن يكون لمصطفى محمود شبيه فتوفي بعد ولادته بأسبوع فحسب، ومنذ اللحظة الأولى لاحظ مصطفى محمود أن جسمه لديه ألفة غير طبيعية مع المرض؛ فيصبح طريح الفراش مع أقل نزلة برد تصيبه، وهو الأمر الذي كان سببا في ألا يعيش حياة الأطفال من لعب ومرح، وانصب بدلا عن ذلك للقراءة وكانت هي هوايته.

“لقد كان أبي يمثل لي الكمال النادر”

وينتقل محمود لسرد مزيد من التفاصيل عن أهله وأسرته؛ وتحديدا والده الذي انتقل بهم إلى مدينة طنطا، ويؤكد محمود على أنه -أي والده- كان يكنّ له من الحب والمعزة الخاصة الكثير والكثير؛ لأنه -أي مصطفى محمود- كان آخر العنقود وكان دائما مريضا، وعلى الرغم من ضآلة مرتب والده، والذي لم يكن يتجاوز العشرين جنيه -كان يعمل محضرا، ثم تدرج لسكرتير بمديرية الغربية- إلا أنه كان يتبرّع بربعه للفقراء وما يتبقى كان يسمح لهم بحياة كريمة بأفضل أنواع الأطعمة، وهو الأمر الذي لا يجد له مصطفى محمود تفسيراً سوى أنها بركة الله التي حلت على هذه الأموال وكل ما يشتري بها.

طيب أخلاق والد مصطفى محمود شيء أكد عليه الأخير في أكثر من موضع بمذكراته؛ مدلالا على ذلك بقرار أبيه بضم أولاد زوجته من الأزواج الآخرين في بيت واحد ليصبح بيت العائلة يضم 9 أولاد؛ بخلاف شقيقه سعد الذي توفي، وكان من بين هؤلاء التسعة حسن محمود المحافظ السابق لمحافظة الدقهلية في فترة الستينيات.

ويتطرّق مصطفى محمود إلى مرحلة مؤثرة في حياة والده؛ ولكنها بالنسبة له كانت نموذجا للاقتداء؛ وتحديدا عندما تعرّض والده للمرض لمدة سبع سنوات كاملة ظل فيها طريح الفراش؛ ولكنه كان يؤدي الفروض على أكمل وجه. ولما تعرّض بعدها للنسيان بحكم الشيخوخة؛ لدرجة أنه كان ينسى عدد الركعات في كل فرض نصحه أصدقاؤه بجواز التوقف عن أداء الصلوات؛ فكان يضحك ويقول لهم: لا يمكن أن ترفع التكاليف أبداً، ويسأله عن عدد ركعات الفرض كلما نسيها.

“من يومها وقد أحسست أن هذا الشيخ نصّاب كبير، وبدأت أشك في كل شيء”


وفي هذا المنعطف يتطرّق مصطفى محمود إلى الأسباب التي أدت إلى زرع بذرة الشك في الدين بداخله، ولكنه سبق على ذكر ذلك بالتأكيد على الخلفية الدينية التي أحاطت طفولته؛ حيث سعى والده منذ البداية إلى إرساله إلى الكتاب، وواظب هو على أداء الصلوات في مسجد سيدي عز الرجال بطنطا، وتابع الدروس الدينية وحلقات الذكر حتى تعرّف على إمام المسجد الشيخ محمود الذي كان له بالغ الأثر في نفس مصطفى محمود وحبه للدين، ووثق فيه ذاك الأخير ثقة عمياء، وكان على استعداد أن يصدق كل ما يقول مهما كان؛ حتى كان ذلك اليوم الذي جلس فيه في إحدى حلقات العلم للشيخ محمود، وقال الأخير لهم ما نصه: شوفو يا ولاد أنا سأقول لكم على طريقة تقضون بها على الصراصير والحشرات الضارة في المنزل وهي طريقة دينية عظيمة جدا، وكل واحد يفتح الكراسة وسوف أملي عليكم هذه الطريقة العظيمة الجديدة (بعدما انتهى من سرد بعض الآيات والطلاسم) الصقوا هذه الورقة على الحائط وسوف تكتشفون أن الصراصير سوف تموت موتاً شنيعاً على هذه الطريقة الدينية العظيمة.

مصطفى محمود لم يكن يقبل مجرد التشكيك ولو بنسبة 1% في أي شيء يصدر عن الشيخ محمود؛ وعليه فعل ما طلب منه وعلّق الورقة؛ ولكن الصراصير لم تتراجع؛ بل ربما زادت واتخذت من هذه الورقة التي يوجد بها التعويذة ملجأ ومرتعاً لها، وهو الأمر الذي كما يقول مصطفى محمود عن أثره في نفسه: كانت هذه هي بذرة الشك التي زرعت في نفسي، وقد زرعها الشيخ محمود، وجعل الشك يعتريني في كل شيء.

“وجدت أن الفيزياء والكيمياء عاجزة عن تفسير الدين بينما كمال الأمر في القرآن”


ويتابع العلامة الدكتور مصطفى محمود متأملا: كيف يمكن لواعظ كهذا أن يؤثر في حياة ومسيرة إنسان كاملة؛ فبسبب معلومة جاهلة خاطئة تسبب في زرع بذرة الشك داخل قلبه، استمرت معه لفترات طويلة، ومتمنيا في الوقت ذاته أن يصبح الوعّاظ والدعاة على القدر المناسب من المسئولية فيما يقولون.

ولكن محمود لا يرجع السبب في بذرة الشك التي زرعت في قلبه إلى الشيخ محمود إمام مسجد سيدي عز الرجال فحسب؛ وإنما إلى طبيعته المختلفة والتي لا تقبل التفكير التقليدي والمسلم به في أي شيء، ويضرب لنا مثالاً على ذلك من حيث: كيف أنه أسس جمعية تسمى جمعية الكفار -عندما كان في الثانية عشر من عمره- بسبب خلافه مع إمام المسجد، ويضيف سببا آخر على ذلك، وهو الكتب التي تتمرد على الدين وقتها مثل كتب دارون وشيميل وغيرهم، وهي كلها أفكار كانت ثائرة على كل ما هو ديني، وترجع الأمور للمنطق والعقل؛ فانكب عليها بعد أن استهوته، وبدأ يفكر بالمثل ويتساءل: إذا كان الله هو خالق هذه الدنيا؛ لأنه لا بد لكل مصنوع أن يكون له صانع فمن أين إذن جاء الله؟ ولماذا لا نريح أنفسنا ونقول إن الدنيا نشأت بنفسها دون مساعدة؟

واستمر مصطفى محمود مثابرا على هذه الطريقة من التفكير حتى في تفسير الطبيعة، مستعيناً بالكيمياء والفيزياء؛ ولكنه وجد أنها عاجزة عن تفسير الحياة والموت فلجأ للفسلفة فوجدها في حاجة لفلسفة أخرى تعينها؛ فقرأ في الأديان السماوية وغير السماوية وانتهى إلى….

وجدت كمال الأمر في القرآن.

مذكرات مصطفى محمود (2).. 

 

الوصول إلى اليقين يحتاج إلى جثة ب 50 قرش





مصطفى محمود الطالب يحب المشرحة ويعشق الناي ويعزف في فرقة فتحية سوست


يواصل مصطفى محمود مذكراته التي تنشرها “المصري اليوم” ليستكمل ذكريات الطفولة ويلقي أضواء على شبابه المبكر عندما كان طالبا في كلية الطب جامعة القاهرة، يحب المشرحة ويعشق الناي ويعزف في فرقة موسيقية في الوقت الذي يحتفظ به في غرفته بجثة اشتراها بخمسين قرشا لتكون بداية رحلة اليقين التي بدأها منذ الصغر.

فيبدأ بقوله: “طفولتي كانت غريبة وعجيبة.. كانت لا تستقر أبدا أو تعيش على الأرض التي أقف عليها، كانت سلسلة من الأحلام الجميلة والشيقة التي أغوص داخلها، طفولتي كانت سلسلة من الهروب، هروب من واقعي المريض العليل أو هروب من مرحلة الطفولة نفسها، التي بطبيعتها ضيقة تحصر الطفل بحكم السن داخل حدود صغيرة جدا”.

في طفولتي مارست اللعب مع القرود وسارعت بالهروب من الأسود

 يستكمل مصطفى محمود رحلته داخل ذكرياته الطفولة فيقول: “كانت طبيعتي نفسها أكبر من المرحلة العمرية؛ فكانت تراودني أحلام كبيرة وضخمة.. لا تقل فى ضخامتها عن جبال غابات الأمازون التي تمنيت مشاهدتها، وتمنيت رحلات للغابات الاستوائية التي كنت أقرأ عنها في الكتب والقصص، وأظل ساعات طويلة أعيش في حالة من الخيال الذي يدفعني لأن أصدق أنني ذهبت إلى هناك في ثوان معدودة، ومارست اللعب مع القرود والغزلان، وسارعت بالهروب من الأسود والنمور قبل أن تبتلعني.. وكنت أترك لقلبي وعواطفي وعقلي العنان.. بلا قيود..

ويتابع: “ما شجع هذه الخيالات والأحلام طبيعة المناخ الثقافي الذي عشته وعاشته أسر الطبقة المتوسطة في هذه الفترة الزمنية في الربع الأول من القرن الماضي؛ حيث كنت أداوم على مشاهدة روايات طرازان والسندباد والسندريلا في أفلام السينما والتي بسببها كنت أقترض بعض مصروفات إخوتي لأني أنفق مصروفي بالكامل في أيام معدودة من أجل مشاهدتها أكثر من مرة”.

لم يدخل أبي البيت أبدا وهو يحمل ربطة فجل كان يحمل دائما الكتب

لم يكن المناخ الثقافي لهذه الفترة هو وحده سبب نضوج عقلية مصطفى محمود؛ ولكنه استطرد فقال: “أبي شكّل الدعم الأكبر في هذه المرحلة.. فمن المشاهد التي لا أستطيع حتى اليوم أن أنساها أبدا أنه بينما كان الآباء من جيراننا يدخلون بيوتهم وفي يد الواحد منهم كيس من الفاكهة أو الخضار، كان أبي يترك شئون البيت هذه لأمي، فأبي لم يدخل البيت أبدا وهو يحمل “ربطة فجل”، كان يحمل دائما في يديه المجلات والكتب..

ولا يترك مرحلة الطفولة دون التعرض طبعا للمدرسة؛ فإلى جانب أنه كان طالبا متفوقا يغار منه جميع زملائه ويذهب حتى إلى المدرسة في يوم الإجازة؛ كان أحب الأيام لقلبه عندما يرتدي الزي الجديد في أول يوم دراسي والأيام التي كان فيها يقود مراكبه التجارية إلى الهند “في الخيال طبعا” أثناء تساقط الأمطار الغزيرة بمنتصف فصل الشتاء.

ففي فناء المدرسة كنت أصنع مراكب من الورق وأسيّرها في المستنقعات الصغيرة والبرك التي خلفتها الأمطار، وأتخيل أنها ذهبت إلى الهند وأني أقودها وأثناء الرحلة تقابلت مع الهنود ونشبت بيني وبينهم صداقة حميمة، وعشت مع البسطاء في أكواخهم الموجودة في أعالي الجبال، وركبت الفيل وتجولت به وسط الغابات.

ولكن كما كانت هذه القصص الغريبة والعجيبة وغيرها سبباً في شعوره بالسعادة وبالاختلاف عن الآخرين بقدر ما سببت له من المتاعب مع الأصدقاء؛ لأنه ببساطة اكتفى بقصصه وخيالاته الممتعة وأصبح لا يشاركهم ألعابهم، وتصوروا أنه يتكبر عليهم برغم أن ابتعاده في الأصل واكتفاءه بحياة الخيال لإحساس عميق بالضعف وعدم القدرة على مسايرتهم في ألعابهم وصراعهم.

في الثانوية كادت تجاربي العلمية أن تودي بحياتي بفعل الحرائق والانفجارات

وهنا ينتقل الدكتور مصطفى محمود ليتحدث عن مصطفى محمود طالب الثانوي الشغوف بكتابة الشعر والقصص والروايات وأيضا بالعلوم لدرجة: “أني أنشأت معمل اختبار داخل بدروم المنزل، وأغرقت نفسي ليل نهار في التجارب العلمية، والتي كانت ستودي بحياتي أكثر من مرة بسبب حدوث بعض الحرائق وانفجارات صغيرة كل فترة.. وأغرقت نفسي بالعلوم التي كنت شغوفاً بها؛ أي أنني كنت لا أرتاح في فترة الإجازة، وهو ما دفع والدي إلى أن يبيع هذا المعمل لخوفه عليّ”.

ويتابع حديثه الممتع ليتذكر كم كان يتمنى زيارة الغابات الاستوائية التي رأي صورها لأول مرة داخل كتاب الجغرافيا الذي درسه في السنة الرابعة بالثانوية؛ فقرأ الكثير جدا عن أفريقيا وبصفة خاصة جنوب السودان ونيجيريا، ولم يكتف بذلك؛ بل كان ينزع صور القرود والحيوانات الأفريقية ليزين بها حجرته بدلا من كبار الفنانين والمطربين ونجوم الكرة وأبطال الرياضات المختلفة التي كان إخوته يعلقونها داخل حجراتهم.

في كلية الطب لقبني أساتذتي بالمشرحجي لعشقي للمشرحة

هنا يتذكر مصطفى محمود الطبيب الصغير الذي أصر على دخول كلية الطب جامعة القاهرة رغم رفض الأهل لكونهم كانوا يرغبون في التحاقه بكلية الحقوق -التي كانت تخرج الوزراء والباشوات- رغم دراستها القاسية واحتياجها إلى مجهود مضن، وتحمل كل ذلك لأنه كان له أهداف أخرى من دراسة الطب؛ غير أن يكون طبيبا.. فقد كان مازال في بدايات رحلة من الشك إلى الإيمان أو اليقين التي صاحبته وهو في سن صغيرة.

فكانت أفكاره أو أسلوب تفكيره أحد أسباب اختياره لهذه الكلية فيقول: “فبعد أن تعرفت على البكتريا التي تسبب الأمراض.. وكيفية علاجها.. وبعد وقوفي أمام الجثث الموجودة داخل المشرحة بالساعات.. وجدت نقطة البداية للإجابة عن كل ما يدور في فلك الحياة وكل ما يدور حولي وعرفت جيدا من أين جئنا؟ وإلى أين سنذهب، وكان الوقوف أمام الموت في المشرحة البداية الحقيقية للإيمان”..

ويتابع: “من المضحك أن لهذا السبب تعلقت بشدة بالمشرحة؛ فقد كنت أول طالب يدخلها وآخر من يغادرها، وفي يوم من الأيام كنت داخل المشرحة ولم أشعر بالوقت وأغلقوا عليّ أبوابها دون أن أشعر أو يشعروا بوجودي ولكني عندما انتهيت من العمل وجدت الأبواب مغلقة وكان الجو بارداً جدا ناديت على الحراس بأعلى صوتي لمدة ربع ساعة حتى سمعوني وفتحوا لي الأبواب، وصارت القصة تتردد داخل أرجاء الكلية.

في اليوم التالي: فوجئت عند دخولي المدرج ذات مرة متأخرا، وكان الدكتور صادق يشرح للطلبة بأن قال لي ادخل يا “مشرحجي” ومن بعدها وجدت الجميع يطلقون عليّ لقب المشرحجي.. وتعلقت بالتشريح وبهذا العلم العجيب”..

اشتريت جثه بخمسين قرش فرقعت أمي بالصوت

هنا لابد أن تحبس أنفاسك؛ فهذا جزء هام من مذكرات الطالب مصطفى محمود يتذكر فيه كم كان عاشقا للاكتشاف؛ فمن فرط عشقه للجثث والتشريح قام بشراء جثة “نعم جثة” إنسان ميت بـ٥٠ قرشا، وحمله بصعوبة، وكان وزنه ثقيلا؛ لأنه تغمره مادة الفورمالين التي تحفظ الجثة من التآكل أو إصدار رائحة كريهة.. وذهب إلى المنزل وهو سعيد جدا بالجثة، وبمجرد دخوله حجرته وضعها في حوض من الفورمالين؛ لكي ينشفها وعندها: “عندما شاهدتني أمي “رقعت بالصوت”، وأصابها الهلع والخوف، وفقدت الوعي، وأسرعت إليها؛ فلما فاقت صرخت في وجهي “إيه المصيبة اللي إنت جايبها البيت دي؟.. بني آدم ميت.. حرام عليك.. ترضى لما أموت حد يعمل فيّ كده؟”..

وتابعت: “ويبقى إيه العمل لو أهله راحوا المقابر وما لاقوش جثته”؛ فضحكت مما قالت، وقبلت يدها أطلب منها السماح لأني تسببت في فزعها، وقلت لها سامحيني يا أمي، لابد أن أذاكر على هذه الجثة دروس التشريح طوال إجازة الصيف لكي أنجح بتفوق، وبعد ساعات من المحاولات بإقناعها بأن هذا لصالحي وافقت على أن تبقى الجثة في البيت؛ ولكن على شرط أن أقوم بتنظيف حجرتي بنفسي طوال فترة وجودها بالبيت؛ لأنها لن تقترب منها، ووافقت وأغلقت عليّ باب حجرتي، ووضعت تحت سريري جثة إنسان ميت عاش معي أربعة أشهر طوال فترة إجازة الصيف، وكنت كل يوم أقوم بوضعها على منضدة التشريح وأتدرب عليها وأدرس كتب التشريح وبعد الانتهاء أضعها تحت السرير في الحوض المليء بالفورمالين.

وبعد انتهاء فترة إجازة الصيف أصبحت لا أحتاج للجثة المهلهلة من العمل بها طوال أربعة أشهر؛ فقمت ببيعها لأحد أصدقائي بـ١٥ قرشاً.. فالجثث والمشرحة لها فضل كبير في تغيير طريقة تفكيري..

تعرفت على فتحية سوست والأسطى عبد العزيز الكمنجاتي لأشبع ميولي الفنية

على الرغم من أن الطبيب والمفكر والمحب للاكتشاف داخل مصطفى محمود كان يستحوذ على مساحة كبيرة؛ إلا أنه نجح في إخراج الفنان بداخله؛ فبدأ يعشق العزف على الناي في شباك غرفته أثناء الظلام والسكون والهدوء الذي يسبق دخول الطائرات وسماع دوي صوت القنابل وانفجارات غارات الحرب العالمية الثانية، وكان يشعر بأن هذا أنسب وقت لإخراج مارد عازف الناي دون أن يراوده شعور الخوف والاختباء في الخنادق التي كان يسارع الناس إليها في ذلك الوقت، وكان في هذه الأيام بنهائي كلية الطب.

وهنا عليك أن تحبس أنفاسك للمرة الثانية لأن الدكتور مصطفى لكي يشبع ميوله الفنية تعرف على الأسطى عبد العزيز الكمنجاتي، والراقصة فتحية سوست “أيوه سوست”، وكانا أصحاب فرقة لإحياء الأفراح والطهور، واتفقا معه أن ينضم لفرقتهما: “ووافقت دون مقابل مادي، وهذا ما أثار دهشتهما ولكني قلت لهما أنا أهوى العزف فقط، ولا أنوي احترافه، كان لا يجب أن أخبرهما بالسبب الحقيقي، كنت أفضل أن أحتفظ به لنفسي.. فقد كنت في ذروة انفعالي التفكيري.. عدم اليقين بأي شيء نهائيا، أنا كنت أحتاج أن أخوض التجارب، كل شيء أجربه وأحكم عليه.. وكان يأتي إلى البيت الأسطى عبد العزيز، وعندما تفتح له والدتي يقول لها قولي للدكتور الليلة فيه فرح في درب البغالة أو في الأنفوشي أو في السيدة، وكانت والدتي تنزعج جدا، وكانت تعنفني وتغضب لما أقوم به، ولم تستوعب أني أريد أن أترك نفسي للتجارب والبحث عن اليقين”.

مذكرات مصطفى محمود (3).. 

 

عندما كفّنوني ووضعوني في النعش حيا



وقتها علمت أن الاستمرار بالبيت مستحيل


يواصل الكاتب الكبير الراحل مصطفى محمود سرد سيرته الذاتية الممتعة بنفس قدر إمتاع أعماله وكتاباته المختلفة والتي توالي نشرها في حلقات جريدة المصري اليوم، ويتحدث في هذا الجزء عن بداياته مع عالم الكتابة؛ كاشفا عن مفاجأة أن أول من علّمه فيه فنون كتابة القصة والرواية كان القرآن الكريم؛ وتحديدا قصص الأنبياء التي يوليها اهتماما شديدا في قراءتها.

الغريب أن أعمال مصطفى محمود في بداياته الأولى لم يكن لها سوى ناقد واحد فحسب هو صديقه الوحيد صديق الطفولة فرج الذي يقول عنه مصطفى محمود: لقد كان أول قارئ لكتاباتي وناقدي الوحيد، وفي أحيان كثيرة كان يشير عليّ بتغيير مضمون القصة من اللامنطق إلى المنطق حتى يتقبلها عقله.

ويسترسل الراحل في الحديث عن صديقه فرج؛ مؤكدا أنه اختاره بعناية اتباعا للحديث الشريف الذي كان دائما ما يتلوه أبوه على مسامعه: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”؛ وبالتالي كان فرج صديقا له في تجاربه وشطحاته أيضا؛ حيث يقول مصطفى محمود: حتى بعد التحاق فرج بمدرسة الثانوية العسكرية والتحاقي بالمدرسة الثانوية بطنطا؛ فإننا لم نفترق، وكوّنا مصنعاً سوياً، وكوّنا فريق عمل يكمل كل منا الآخر؛ فكان يصنع هو القوالب المعدنية من الصلب والنحاس؛ بينما كنت أنا شغوفاً بالكيمياء والطبيعة، واستعنت في ذلك بمحتويات المعمل الذي سلّمته لنا المدرسة، وقمت بتجارب معملية بعضها فاشلة، وكانت تتسبب في تمزيق ملابسي وإحداث انفجارت كادت تتسبب في موتي وموت فرج؛ لدرجة أن أمي صرخت فيّ ذات مرة: إنت مش خايف إنك تموت من اللي إنت بتعمله ده.

ضعف سمع الطبيب تسبب في تكفيني

ويتعرض مصطفى محمود للمرحلة التي بدأ معها بالفعل يشعر أن أعماله من الممكن أن يكون لها صدى جيد، وتلقى الرواج المطلوب عندما أرسل خطاباً لأخيه يحدثه فيه عن أيام المصيف التي يقضيها بمدينة بورسعيد، وكان صديق أخيه وقتذاك هو محمود محمود الصياد، أحد نجوم التجويد، وعندما قرأ ذاك الأخير الخطاب بشر أخا مصطفى محمود بأن أخاه سوف يكون له شأن كبير فيما يكتب، أما المناسبة الثانية؛ فكانت فوزه بجائزة المدرسة لأحسن قصة باللغة الإنجليزية يدور موضوعها عن أكثر الأحلام رعبا، وربما لا تتعجب لماذا فاز مصطفى محمود بهذه الجائزة عندما تعرف أن ما رواه لم يكن مجرد حلم مرعبا بل كان حقيقة عاشها كالتالي:
“كنت في هذه الأيام مريضا جدا ودرجة حرارتي منخفضة وضربات قلبي ضعيفة؛ لذلك استدعت أسرتي الطبيب الذي كان سمعه ضعيفاً فلم يسمع ضربات قلبي؛ فظن أنني فارقت الحياة فتوجه إلى الأسرة بوجه شاحب يتصبب منه العرق قائلا: “البقاء لله، لقد مات هذا الولد المسكين”؛ فما كان من أمي إلا أن رقعت بالصوت، وحزن جميع أفراد العائلة على فراقي، وكفّنوني ووضعوني في النعش؛ ولكني استعدت وعيي بعد وقت قصير وفتحت عيني لأجد نفسي في ظلمة دامسة وملتّما بالكفن؛ فشعرت بالرعب الشديد لما أنا فيه، وثارت في ذهني أسئلة متعددة وكان بينها: أين أنا؟ وكيف سأخرج من هذا النعش؟ وعندما استعادتني الأسرة كانت فرحة بلا وصف، وربما كان هذا الحادث داعيا لأن يطلقوا عليّ لقب الممسوس أو الملبوس، وسهّل لي لقب المشرحجي فيما بعد.

خرجت من البيت وعشت حياة الصعلكة

وعلى طريقة الأمريكان قرر مصطفى محمود الخروج من البيت وإكمال حياته بمفرده، عندما وجد أن أفكاره لا تلقى الترحاب بشكل مستمر من والدته؛ خاصة في ظل رغبته في مواصلة دراسته للطب والكتابة والعزف على الناي وغيرها، وهو الأمر الذي لم تحتمله والدته بسبب خوفها عليه؛ فكانت دائما ما تقول له: أنت هتموت نفسك بنفسك؛ فقرر الرحيل عن البيت من أجل أن يعيش حياته بقدر الحرية الذي يبحث عنه.

“ذهبت أبحث عن بانسيون، فوجدت بانسيون مناسبا لإمكانياتي في حلوان، فقمت بتأجير حجرة به، وعملت محررا صحفيا بمجلة النداء الوفدية، وبدأت مرحلة قاسية جدا في حياتي؛ حيث عملت محررا صحفيا براتب اثني عشر جنيها شهريا، وعشت حياة الصعلكة التي يعيشها معظم الصحفيين ببداية حياتهم، وبدأت أدفع ضريبة قراراتي عندما أصبت بمرض التيفود، وجاءني أخي مختار، وقال لي: آدي آخرة المشي البطال وعدم سماع النصيحة والعناد.. خف بسرعة عشان ترجع البيت، أمك هتموت عليك.

ويختتم مصطفى هذه الجزئية بأنه تعلم من هذا العام الكامل الذي قضاه خارج المنزل بأنه إذا أردت أن تكون شيئاً في عالم الصحافة يجب عليك أن تكمل دراستك في عالم الطب فتكتب وأنت طبيب، واكتشف أيضا أن الأدب والمجد في اتجاه والهلس الصحفي في اتجاه آخر.

أنيس منصور كان دائما ما يشاكسني

في هذا الجزء من مذكرات الراحل مصطفى محمود يتحدث عن بدايته الحقيقية في عالم الصحافة والتي كانت مقدماتها من خلال عمله في مجلة آخر ساعة مع كامل الشناوي الذي كان يقول له هو ويوسف إدريس: إنتم مش طلبة كلية طب إنتم طلبة كلية طب جميلة، في إشارة إلى كلية الفنون الجميلة.
بعد فترة أنشأ كامل الشناوي جريدة المسائية واستكتب فيها مصطفى محمود وعدداً آخر من الكتاب، ومن هنا نشأت الصداقة بين مصطفى محمود وأنيس منصور الذي كان دائما ما يشاكس مصطفى محمود ويقوم بتغيير الاسم الذي يمضي به في آخر المقال، وهو (م.م) (م.ع) ويضحك في هذه الجزئية مصطفى محمود ويقول: كنت أنهي كتابة مقالي بتوقيع م.م؛ فكان ينتظرني حتى ينتهي الجميع من أعمالهم وينزل إلى المطبعة ويغير الإمضاء إلى م.ع وكنت أغضب كثيرا، وعندما أذهب للتحقق مما حدث أعرف أنه أنيس؛ فأقول له يا أخي يعني إنت مستكتر عليّ حتى الحرف.
ثم ينتقل مصطفى محمود للحديث عن الفترة التي عمل بها بمجلة التحرير بعد الثورة، ويعتبرها البداية الحقيقية لمصطفى محمود -الكاتب الصحفي- وهو نفس الوقت الذي شهد بداية عمله كطبيب في مصحة ألماظة للحميات الموجودة بمنطقة نائية بالصحراء، وبالتالي كل هذه الظروف ساعدت على ولادة المفكر والأديب والفيلسوف بداخله الذي أبدع في “الله والإنسان” و”عنبر 7″ و”رائحة الدم”.

مصطفى محمود (4)..

 

كل إنسان يحمل الموت بداخله!!



إن كل إنسان يحمل الموت بداخله


يبدأ مصطفى محمود الجزء الرابع من مذكراته التي تنشرها جريدة المصري اليوم بالحديث عن الموت على أساس أنه من أكثر الأفكار التي شغلته منذ طفولته حتى الآن؛ فدائما كان يتصور أن عمره قصير جدا، وأنه سيموت مبكرا لدرجة أنه بين الحين والآخر كان يقف أمام المرآة وعمره عشر سنوات فقط ويقول بصوت مرتفع جدا: “الموت يطاردني.. يقف خلفي وأمامي وبجواري.. لا أستطيع الهروب منه”، وأضاف أنه كان يرى ملك الموت وكأنه يحيط به، وأن كل صباح يوم جديد يحمل ساعته الأخيرة ويخبر أهله بذلك!!

وبالطبع كان لهذا أبلغ الأثر -السلبي طبعا- على والديه فذهبا به إلى الأطباء، وعندما لم يجدا علاجا يشفيه ذهبا به إلى المشايخ والعرافين الذين كانوا يتواجدون بكثرة في الريف؛ ولكنهم أيضا لم يجدوا كلاما يقولونه غير أن يخترعوا أنه ممسوس أو “مخاوي جن” من تحت الأرض.

 وأشار إلى أن حالته الصحية المتدهورة؛ والتي لم تكن تسمح بأن يجاري أقرانه ومن في مثل سنه؛ كانت واحدة من أهم أسباب اختياره لكلية الطب دون غيرها من الكليات؛ لحرصه على التعرف على أدق تفاصيل وأسرار الأمراض والأزمات الصحية، وكيف يمكن التخلص منها، وهو في الحقيقة يريد أن  يتخلص من مرضه المستمر.
ومن هنا جاء اكتشافه أن الموت والمرض مشكلة كبرى بالنسبة له فالمرض بالنسبة له يمثل الموت وأن المؤشرات والعلامات التي تسبقه قد تتمثل في موت العينين والساق والذراع والإحساس، وهنا يقول: “عانيت كثيرا من أجل الوصول لما توصلت له، وعندما مارست الطب سنتين بعد التخرج كنت أعتبر أني حققت انتصاراً كبيراً على الموت عندما أتغلب على المرض الموجود داخل المرضى؛ ولكن كان يصيبني الإحباط الشديد عندما ينتصر المرض عليّ ويسوق أمامه للموت روح مريض وينظر لي ويخرج لسانه معلنا أني لا أقوى عليه، وذهلت عندما وقفت لأول مرة أمام طاولة التشريح.. أمام الجثة”..

والغريب أنه لم يحدث له إغماء أو حتى مجرد شعور بالخوف كما كان يحدث لزملائه؛ فتعلم يومها “أن كل إنسان يحمل الموت بداخله” حتى ولو كان بصحة جيدة، وأن الموت أكبر من أن يكون كلمة؛ فهو واقع يدور بداخل الإنسان وأن عملية الهدم والبناء تتم، وأن الهدم داخل كل إنسان منذ الولادة؛ ولكن البناء غالب عليه حتى يحدث التوازن في سن الأربعين، ثم تبدأ عملية النزول والهدم التي تتزايد، وبالتالي إذا كان البناء غالبا فأنا شاب وإذا كان الهدم غالبا فأنا دخلت مرحلة الشيخوخة وهنا يتذكر طفولته التي كان شعوره أن الموت قريب منه يسمع خطوات أقدامه وهي تقترب في شعور دائم؛ فكان يحدق في الموت وينظر إليه ويصرخ أمام المرآة: “أنا أرى الموت”!!..

ويتابع: “كنت أرى ملك الموت ولست خائفاً؛ فكنت أتحداه دائما وأحدق فيه لدرجة أنني كنت أتوقع دائما أنني سأموت مبكرا، ولم أتوقع أن أصل إلى الـ٨٨ عاما من عمري، وكنت دائما أقول سأموت في سن الثلاثين؛ ولكن أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، ورغم كل هذا ظل الموت معي يأكل ويشرب ويعيش ويتنفس بين ضلوعي ويسيطر على وجداني، وأصبح مشكلة وكارثة تصاحبني أينما ذهبت..”.

وكان إحساسه بالموت وشعوره بأنه يقترب منه ولصيق به طوال الوقت، كان يظهر في شكل مقالات مسلسلة في مجلة (روزاليوسف) التي كانت منبراً صحفياً كبيراً وقتها؛ لأنها تمردت على السياق العام للصحافة في مصر.. فكان ينشر هذه المقالات سواء كانت فكرية عامة أو فلسفية بالخصوص، إضافة إلى كتابة القصة القصيرة..

في هذه الفترة كانت حركة الضباط الأحرار في عام ١٩٥٢ والتي رحب بها كثيرا لأنها تمثل تمرد الجيش والشعب على النظام الملكي الفاسد؛ فكان التمرد على الواقع هو ما يلفت انتباهه دائما؛ ولكن “خذلتنا هذه الثورة بعد ذلك فقد حررت الدولة المصرية لاستعباد الشعب المصري” كما كان يقول، وكان وقتها يداوم على نشر مقالاته في “روزاليوسف” عندما فوجئ إحسان عبد القدوس باستدعائه من قبل رجال الثورة للتحقيق معه حول ما نشر بمجلته، وكيف يقوم مصطفى محمود بنشر هذه الأفكار في مجلته؟!

فكان موقف إحسان؛ في الوقت الذي كان يختلف مع مصطفى محمود في أفكاره وفيما يكتب؛ لكنه كان لا يستطيع تقييد حريته؛ بل وأعطاه مساحة ليعبر عن رأيه وليس هو وحده ولكن هذا ينطبق على كل الصحفيين في مجلة روزااليوسف.

هكذا لم يستطع رجال الثورة اتخاذ أي موقف ضد مصطفى محمود من المقالات، ولكنه عندما جمع هذه المقالات في كتابه الأول “الله والإنسان” ظهر موقفهم، فعلى الرغم من أن الإعلام لم يكن بمثل هذا الحجم، وكان الاعتماد كله على الصحافة الورقية إلا أن الدنيا انقلبت من حوله فيقول عن تلك الفترة: “أصبح كل واحد يكتب عن الموضوع بمزاجه، من وصفني بأنني فيلسوف العصر الجديد ومن وصفني بالملحد والشيوعي والكافر و.. و.. وهنا ضحك مصطفى محمود حتى دمعت عيناه اللتان أصابهما المرض مؤخرا.. وقال: من الطريف أن دارا حكومية “دار الجمهورية للنشر” هي التي وافقت على طبع الكتاب ونشره، وكان يشرف عليها في ذلك الوقت أنور السادات، وحقق الكتاب رواجا كبيرا..

وتابع: “الطريف أيضا أن المفتي كان قد قرأ هذا الكتاب وأبدى رأيه بأن هذا الأسلوب يبشرنا بكاتب كبير وعالم ومفكر، وكان هذا اعترافا رسميا من الدولة بهذا الكتاب وقيمته؛ ولكن قضاة التفتيش الجدد رفضوا الكتاب، وثاروا وهاجوا وسبوا، وقالوا هذا الكاتب أصابه الجنون، أو كفر، وقدموا مجموعة الشكاوى ضدي للقضاء، وتمت مصادرة النسخ المعدودة المتبقية في الأسواق من الكتاب بعد أن تخاطفه الكثير من المصريين الذين كانوا يرغبون في من يكسر لهم الظلام ويطير الخفافيش التي تتزايد داخلهم، ويفسر لهم حقيقة ما يجري لأنهم سئموا من أن تفرض عليهم الأشياء باعتبارها “واقع ولازم يقبلوه”..

وظلت القضية تنظر أمام محكمة أمن الدولة شهوراً، خرجت خلالها شائعات كثيرة ومتعددة، وكان من بينها “أنهم سيحكمون بكفري وارتدادي عن الدين ومن ثم إعدامي”.
وظلت الشائعات تظهر شائعة تلو الأخرى وتتردد في أرجاء مصر؛ حتى تقرر إصدار الحكم في القضية في شهر رمضان؛ وذلك بغرض تشديد الحكم وعدم استخدام الرأفة.
وهنا يؤكد: “تقبلت اتهامي بالكفر وأنا في بداية حياتي بأن أغلقت على نفسي باب شقتي.. واعتزلت من هول الصدمة؛ حيث كانت عواطفي ما زالت حساسة، فلما أخذت الأفكار تهاجمني.. لقد كفّروني لأني امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفروني.. قالوا نقضي عليه وهو صغير.. وناجيت روح أبي: لقد اتهموني بالكفر يا أبي.. أنا ابنك اصطحبتني إلى المسجد وأنا ابن الثالثة وألبستني الطاقية والجلباب الصغير.. أنا الذي حفظتني القرآن والحديث؛ بينما ما زال من في مثل عمري يلعبون في تراب الشارع”..

نأتي الآن إلى النتائج التي تلت ظهور تلك الأفكار والشد والجذب الذي أخذته على مدار شهور على صفحات الصحف وفي أقلام كبار الصحفيين فيقول: “بعد مصادرة كتابي وجدت الماركسيين في مصر يرفعونني إلى السماء، ويعلنون أني أصبحت من كبار مفكري الماركسية والشيوعية في مصر، وازداد إعجابهم بي وتأييدهم لي عندما كتبت قصة عن رجل زبال ونشرتها في مجلة صباح الخير، وكانت المجلة في بدايات إصداراتها، وبعدها وجدت أن الشيوعيين يصفونني بأني أعظم كاتب وأكبر مفكر، وقيل عني يومها: إن تشيكوف مجددا يظهر في مصر يحمل اسم مصطفى محمود، وكنت مندهشا لكل ما يحدث حولي، ومندهشا أكثر لإعجابهم بهذه القصة؛ رغم أنها قصة عادية للغاية، ولم أشترك معهم أو أنضم إليهم؛ بل تجاهلتهم بعد ذلك بأن حذفت هذه القصة من جميع مؤلفاتي”.

ويتابع: “لكنهم سرعان ما تحوّلوا ضدي بعد ذلك، ووجهوا إليّ الكثير من الاتهامات، ومنها الردة الفكرية، وكانت مدرسة ظهرت في ذلك الوقت على يد محمود أمين العالم، وكانت ترغب في أن ينادي الكتاب جميعهم بالاشتراكية العلمية والشيوعية والماركسية، ومن يخالفهم لا يعد أديبا أو مفكرا، وأكبر دليل أنهم رفعوني إلى السماء”.

ولكنه في النهاية وصل إلى الإيمان، وسقط هؤلاء الأشخاص الذين عندما تمرد على أفكارهم وانتقدهم وانتقاما منه جردوه حتى من لقب الكاتب واتهموه بالتخلف.
ومن بعد ذلك بدأ يعيد النظر في كل شيء حوله، وبدأ بمراجعة كتابه الأول “الله والإنسان”، ووجدته مليئاً بالثغرات التي عدل عنها وصححها في كتب أخرى.. وهنا يعلن لأول مرة: “أنني تراجعت عن كل الأفكار المادية التي لا ترتبط بالدين والتي جاءت بكتابي الأول “الله والإنسان”.


مذكرات مصطفي محمود (5)




إن الاستسلام للمنطق والعقل وحده فيه استئصال لأجمل ما فى الإنسان.. روحه.. ووجدانه.. وضميره ولو لم يكن إبليس موجودا لأوجدناه

■ إننا لا نستطيع أن نعيش دون أن نسمع ذنوبنا

■ هناك شبح نلعنه كل يوم ونرجمه لأنه غرر بنا

■ نحن نساعد فى خلق الأباطرة والجبابرة

■ بل نحن الذين نخلقهم ونشكلهم بأيدينا

■ إن الشياطين من صنع أيدينا والإجرام قرين لكل منا

■ لأننا جميعا أبناء القاتل قابيل

■ لكل منا قرين ولكن يوجد من يسيطر على قرينه ويوجد من يسيطر عليه قرينه

■ إن السم لا يزرع ولا يصنع ولكنه يخرج من حقدنا وحنقنا لبعضنا البعض

■ ولا يحين الموت إلا بعد أن ينتهى الأجل

■ فالموت قرار من الله وحده

مصطفى محمود

مازال المفكر الكبير والفيلسوف مصطفى محمود يفتح حقيبة أسراره ويطلعنا على ما تحويه دفاتره ويخرج كل ما بداخلها من أسرار.. مازال قلبه ينبض.. مازال عقله واعيا يتذكر كل تفاصيل رحلته الطويلة التى قضاها باحثاً عن اليقين يحاول الوصول للحقيقة الغائبة عن الجميع، يقول مصطفى محمود: ليس من السهل أو المعقول أو الطبيعى على الطيور أن تكف عن التحليق فى الفضاء، أو على العصفور أن يسجن فى قفص حتى ولو كان من الذهب والأحجار الكريمة، أو على المفكر أن تحجب أفكاره وترصد الرقابة قلمه وتختار نوع الحبر الذى ينسج به كتاباته،

وبالتالى لم يكن من السهل أن تحجب عنى كل ألوان الحياة من الماء والهواء والضوء والحياة التى تتمثل فى الكتابة والتعبير عن الرأى، وإخراج كل ما يدور داخلى من صراع وأفكار تحاول إثبات حقيقة المسلمات ـ التى تكلمت عنها من قبل ـ ولكن هذه كانت طبيعة الظروف والأحوال فى عهد الديكتاتورية التى مرت بها مصر.. عهد تحرير المصريين لاستعبادهم،

هذا بكل بساطة وصفى ورؤيتى لعهد جمال عبدالناصر فمهما تقدم بى العمر وطعن السن فى الشيخوخة ووصلت إلى أواخر أيامى فلن أنسى ما كان يحدث فى عهده من فتح السجون والمعتقلات ومصادرة الفكر والرأى، وبالطبع عانيت فى تلك الفترة لأننى كنت أحد الكتاب البارزين خاصة بعد أزمة كتابى الأول «الله والإنسان» فكنت أتوقع أنه فى أى لحظة لابد أن يقع بينى وبين عبدالناصر الصدام الذى وقع مع الجميع من قبلى، وبالفعل فوجئت بأن إحسان عبدالقدوس يطلبنى فى مكتبه بـ«روزاليوسف» وتوجهت إليه مباشرة، وعندما دخلت إلى السكرتارية لكى تبلغه بأنى أنتظره فوجدتها تقول لى: ادخل الأستاذ مستنيك على نار منذ أكثر من ساعة ولغى كل مواعيده.

فانتابتنى أفكار بأن هناك شيئاً خطيراً حدث أو منتظراً أن يحدث ولكننى تجاهلت كل هذه الأفكار ودخلت عليه المكتب فوجدته من الوهلة الأولى يقول لى وهو يبتسم: أهلا يا مغلبنى وبسببه طاير النوم من عينى. وكأنه كان يهدأ من وطأة المسألة، وقلت له: خير يا إحسان فى قضايا تانى اترفعت عليا ـ فقد كنت خارجاً من قضية كتاب «الله والإنسان» لسة طازة.. فقال: يا مصطفى اجلس فى البيت.. فقلت له يعنى إيه.. قال صدرت أوامر بمنعك من الكتابة، فقلت من أصدر هذه الأوامر ولماذا أتوقف عن الكتابة؟..

قال يمكن أن يكون بسبب المقالتين اللتين قمت بكتابتهما ونشرهما مؤخرا.. ثم أن أمر الإيقاف من قيادات عليا جدا.. فقلت له مين يعنى.. الراجل الكبير.. هز رأسه بالإجابة «نعم» وقال: يا مصطفى احمد ربنا إن المسألة منع من الكتابة بس ومفيش اعتقال ولا سجن، فابتسمت رغم أنى أتمزق بالداخل لما سمعت وقلت له: ومن أدراك فلابد أن الاعتقال سيأتى عن قريب إن لم يكن الليلة..

وسلمت عليه بحرارة وقلت لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. فقال: يومين وهترجع تانى متقلقش وانصرفت من مكتب إحسان عبدالقدوس وأنا يداهمنى شعور رهيب بأنه سيتم اعتقالى ولن تمر على الليلة إلا وأنا داخل أحد السجون أو المعتقلات، فهذا كان سلوكاً سائداً فى تلك الفترة وتجولت فى شوارع القاهرة دون الشعور بالوقت حتى وجدت أن قدمى قادتانى إلى شقتى دون أن أدرى ودخلت الشقة وأنا يداهمنى شعور غريب بأن هناك من يراقبنى ولهذا أيقنت بأننى سأتعرض للاعتقال فى هذه الليلة لا محالة،

فجلست فى شقتى أنتظر طوال الليل عملية القبض على مستعداً تماماً بعد أن قمت بتجهيز حقيبتى التى وضعت بها «مجموعة كتب وغيارين داخليين وبيجامتين ومكنة حلاقة ومجموعة أمواس وصابونة ومعجون أسنان وفرشاة وشبشب حمام» واعترف بأن هذه الليلة كانت أصعب ليلة مرت على فى عمرى كله وفى حوالى الساعة الثالثة ليلاً وجدت طرقاً شديداً على الباب، وعرفت أن ما توقعته يتحقق فتوجهت لأفتح باب الشقة لكى أواجه مصيرى وقدرى الذى لا مهرب ولا مفر منه، وشاهدت ثلاثة ضباط ومجموعة من العساكر الذين دخلوا الشقة مندفعين إلى الحجرات دون استئذان،

وقبل أن أفتح فمى أخرج الضابط من جيبه أمراً بالقبض على موقعاً من عبدالناصر شخصياً فحملت حقيبتى بعد أن فتشوها وركبت سيارة الترحيلات وتوجهت إلى السجن الحربى، وواجهت بداخله أشد أنواع التعذيب البدنى والنفسى وفجأة استيقظت من النوم لأجد نفسى داخل حجرة نومى، ويتضح لى أن كل ما شاهدت من «تعذيب وضرب بالسيط والنوم فى حجرة مليئة بالمياه فى ليالى الشتاء قارسة البرودة»

كانت جميعها أحلاماً وكوابيس هاجمتنى طوال فترة نومى، لأن عملية القبض على شغلت تفكيرى ساعات كثيرة قبل خلودى إلى النوم، وارتحت بعض الشىء لأنه لم يتم القبض على فى الليلة الأولى بعد فصلى من العمل ونفيى فى البيت ـ فهكذا كنت أسمى أيام توقفى عن الكتابة بأنها أيام النفى – ولكن لم يتركنى الشعور بأنى سأعتقل ولكنى خرجت من كابوس اعتقالى لأواجه كابوساً ومعاناة أخرى ومختلفة وهى مسألة الإنفاق والمصاريف، فشغلت تفكيرى كثيراً مسألة كيف سأعيش بعد أن فقدت مهنتى ككاتب صحفى فى «روزاليوسف» وهناك قرار بمنعى من الكتابة فى أى جريدة أخرى وليس لى أى مصدر دخل أو رزق آخر.

لكن العناية الإلهية لم تنسنى فأثناء تفكيرى ومحاولة تدبير الحاجات بما تبقى معى من راتب وجدت أحد أصحاب دور النشر يطلب منى إعادة طباعة بعض الكتب التى طرحت بالأسواق لشدة إقبال الجمهور وطلبه المستمر لها فوافقت فى الحال، وكان عائد هذه الكتب هو مصدر الدخل الوحيد لى طوال فترة النفى، ورغم أن مشكلة الإنفاق والمصاريف قد دبرت إلا أننى كنت أعانى المشاكل النفسية التى تمزقنى وتشتت أفكارى، فالكتابة تمثل كل حياتى وكيانى فأصبحت تطاردنى مشاهد من داخل «روزاليوسف» وأيام نزولى إلى حجرة الأرشيف واطلاعى عليه وأنا أقرأ وأتأمل إعلانات كانت تنشر قبل قيام الثورة وطرد الملك فأين سعد حسين المطرب الصاعد الآن؟!

وهل كان يعلم بما سيحدث من ثورة وإذاعات موجهة ترسم اتجاهات وأذواق البشر.. كيان كامل اختفى وذاب كما يذوب الملح فى الماء، أصبحت خيالات أننى سأختفى ولن أصبح حتى ذكرى ليتذكرنى الناس تطاردنى من غرفة نومى إلى البلكون إلى الصالون، وحتى وأنا بجوار الراديو أستمع إلى موسيقى وغناء عبدالوهاب لا تتركنى هذه الأفكار المجنونة والمحطمة، عشت ومررت بحالة نفسية سيئة جداً كنت أشعر فى معظم الأحيان بأننى أنتظر تنفيذ حكم بالإعدام أو قرار بالإفراج وكل هذا لأننى أعلنت عن رأيى فى الماركسية وهتلر والنازية فى مقالتين، وكان جزاء الرأى النفى فقد تحولت مصر فى تلك الفترة إلى مقبرة للمفكرين وأصبحت الكلمة لا تصل صحيحة للناس، وأبرهن على ذلك «بأن أكبر دليل على تزييف الكلمة ما قرأناه وسمعناه بالكذب عن انتصارات ساحقة فى حرب ٦٧ من الإذاعة والصحف المصرية»، ولذلك بدأت أخرج كل ما بداخلى فى الكتابة..

والكتابة الخفية التى لا يراها أحد غيرى.. فبدأت أكتب مجموعة موضوعات غريبة وعجيبة عن أينشتاين وغيره من الفلاسفة وأخرجت كل حنقى على الاشتراكية والديكتاتورية، ولكنى كنت أشعر فى أحيان باليأس فكيف أقوم بكتابة رأيى حيال ما يحدث فى مصر ثم أقوم بإخفائه وتخبئته فبدأت بكتابة كتاب «الإسلام والماركسية» وحاولت أيضا أن أكسر هذا الشعور الرهيب بالوحدة، فاتجهت إلى القراءة بشكل شرس وتعمقت فى المسرح حتى قمت بكتابة ثلاث مسرحيات أخرجت فيها كل ما كان يدور بداخلى من مشاعر بالظلم، وتناولت بداخلها النظام الديكتاتورى الموجود وقتها، والذى قام بتعذيب وتهجير وتشريد وسجن وقتل المفكرين والكتاب لأنهم يريدون الإصلاح ويعبرون عن أفكارهم وآرائهم فى كل ما يحدث حولهم، وكل هذا أظهرته فى كتابتى لثلاث مسرحيات «الإنسان والظل، الزلزال، الإسكندر الأكبر» ـ وأخفيتها حتى مات عبدالناصر وقمت بنشرها فى عهد السادات وهذه المسرحيات حاولت بها مسرحة الواقع السياسى والاجتماعى الذى واجهته مصر وقتها، فقد كانت أفعال عبدالناصر جميعها شكلاً من أشكال الفوضى الخاطئة..

وطالت فترة حجبى ومنعى من الكتابة حتى أنها وصلت إلى عام كامل من العزلة فى منفاى، وفى إحدى الليالى الصافية الجميلة فوجئت بكامل الشناوى يقوم بزيارتى ويقول لى مقولته الشهيرة: أنت تلحد على سجادة الصلاة، ولهذا فقد قمت بزيارة هيكل وتحدثت معه عن الأزمة التى حدثت لك وهو يريد رؤيتك فى مكتبه بالأهرام. وفى اليوم التالى ذهبت إلى هيكل وقابلنى بقوله: إزيك يا مصطفى وعامل إيه.

قلت له: أنا مش كويس طول ما أنا بعيد عن الكتابة. فقال لى: ارجع اكتب من اليوم لو حبيت. فسررت بشدة ولكننى كنت على يقين بأن هيكل هو الوسيط الوحيد الذى يمكن أن يقبل عبدالناصر منه كلاماً أو وساطة فى موضوعى لمدى قربه منه وثقته فيه ولكننى لم ألجأ إليه منذ البداية.. وعندما سألناه لماذا لم تلجأ إليه رفض الخوض فى التفاصيل وانتقل إلى موضوع آخر.
قال مصطفى محمود: لأن القدر يلعب دوره دائما معى فبالترتيب الإلهى فقط.. حدث أثناء عام النفى والحجب عن ممارسة الكتابة أن قابلت زميل الدراسة فى كلية الطب وصديقى الذى كان حبيباً إلى قلبى الدكتور أنور المفتى، وكان يعمل طبيباً خاصاً لعبدالناصر وطلبت منه التحدث إلى عبدالناصر لكى أعود إلى الكتابة من جديد، ووجدته يقول لى:

يا مصطفى أنت تعرف مدى حبى الشديد لك وبسبب هذا الحب فكرت حينما علمت بمنعك من الكتابة أن أتحدث إلى عبدالناصر أثناء إشرافى الطبى اليومى عليه، لكننى تراجعت لأن هناك قصة منتشرة حوله وهى أنه يجازى من يطلبون منه طلبات خاصة، حيث تجرأ ذات مرة سائقه الخاص وطلب منه طلباً خاصاً فأصدر قراراً بفصله من العمل فى اليوم التالى مباشرة، ولهذا فقد انتابنى شعور الخوف لأنه سيترتب على ذلك إبعادى عن عملى ووظيفتى كطبيب خاص له مثلما أبعد سائقه الخاص،

كما أنه يمكن أن يظن أننى أؤمن بنفس أفكارك وبالتالى سيترتب على ذلك شعوره بأننى خطر على حياته، خاصة وأنا طبيبه الخاص فيلفق لى تهمة ترمينى وراء الشمس وأنا لى زوجة وأولاد كما تعرف، كما أننى بحكم قربى منه سمعت وعرفت وشاهدت كيف يختفى من الوجود من يعارضه بمجرد إشارة من إصبعه خاصة وإنه يكرهك ويقول عليك «الواد ده ملحد وخطر على المصريين»، فقلت له لهذه الدرجة كرهه لى وقسوته مع من يتعاملون معه، فقال الدكتور أنور المفتى:

عبدالناصر يتمتع بعصبية غير عادية ومريض بجنون العظمة ويمكن أن تقول عليه «مجنون بذاته».. والغريب أنه بعد أقل من ثلاث سنوات توفى الدكتور أنور المفتى فى ظروف غامضة وتعددت الشائعات حول وفاته.. لكن الثابت فى التحقيقات أن زوجته قالت إنه ليلة وفاته بعد عودته إلى المنزل «تناولنا العشاء، وبعد ذلك نظر فى المرآة بعض الوقت وقال لى أشعر بأنى لن أعيش أكثر من أربع ساعات» إذ أنه اكتشف أعراض تسمم تظهر عليه ومن بينها كان «بؤبؤ» عينيه يتحرك وهذا الحادث أثر على كثيراً.. وأثارنى أنا وغيرى من أصدقاء الدكتور أنور المفتى.. ولم نجد تفسيراً أبداً لهذا السؤال: من اليد الخفية وراء مقتل أنور المفتى.. ومن المستفيد من وفاته!

والعجيب أنه أثناء انشغالنا بهذا الحادث كثيراً فوجئنا بوفاة عبدالحكيم عامر بنفس الأسلوب دون تفسير أو إعلان عن حقيقة ما حدث له، وزاد الأمر بشكل كارثى بعد نشر التحقيقات مع صلاح نصر عقب القبض عليه، واعترف بأنه كانت دائماً بحوزته سموم من أنواع نادرة وكان يستعملها كلما وجد الحاجة لإسكات بوق عالى الصوت.

وانتهت هذه الحكايات بموت عبدالناصر نفسه.. هناك تساؤل يجب ألا يمر دون أن نقف أمامه وهو: كيف توفى جمال عبدالناصر؟!

قيل عن وفاته الأقاويل الكثيرة والمتعددة، وكان من بينها أنه مات مسموماً، ولكن الحقيقة أن عبدالناصر مات لأنه مريض بالسكر ولتقصير وإهمال الطبيب فى تشخيص حالته الصحية بالخطأ، فكان يمكن إنقاذه من الموت بحقنة جلوكوز فى الوريد فتنتهى أزمة وغيبوبة السكر التى تعرض لها، ولكن أخطأ الطبيب الذى يعالجه أو ربما تعمد الطبيب أن يخطئ وعرف تشخيص حالته بشكل صحيح ولكنه لم يسعفه فقد مات عبدالناصر نتيجة غيبوبة السكر التى هاجمته، حيث كان مريضاً «بالسكر البرونزى» وهو أحد أندر أنواع مرض السكر، ومن أسهل ما يمكن أن يموت مريض هذا النوع فى حالة إذا تعرض للإهمال الطبى، وهذا هو ما حدث.


المصدر



مذكرات مصطفى محمود (6): “مجانية التعليم حوّلت الجامعات إلى كتاتيب!”

 

في الجزء السادس لمذكرات الدكتور مصطفى محمود والتي تنشرها المصري اليوم يستكمل تفاصيل علاقته تلك بالرئيس عبد الناصر، والتي كانت في مجملها متوترة بسبب آرائه في النظام؛ فإلى جانب أنه رأى في عبد الناصر  -في الحلقة الخامسة- أنه ديكتاتور قام بتحرير المصريين كي يستعبدهم، ووصف فترة الحكم بصفة عامة بأنها كانت مقبرة للمفكرين، ولم تكن الكلمة تصل فيها بشكل صحيح على الإطلاق؛ بل كانت تصل مزيفة، كما وصل نصر مزيف في 1967.






يا ويل من يغضب عليه هيكل

في هذا الجزء مصطفى محمود يتابع الحديث عن أيام العزلة.. أيام النفي ويتذكر أيام شبابه  فيقول: كانت أيام الشباب مليئة بالحيوية والصراع والمنافسة، التي ربما كانت تغضبني كثيراً؛ ولكنها كانت أياماً جميلة مرت كالنسيم في ظلمات ليال صيفية بديعة ثم ابتسم قائلاً.. وكانت هذه الأيام أيضاً جميلة بالنسبة لهيكل.. التي تبدلت بعد ذلك في عهد السادات إلى أيام صعبة بالنسبة له انتهت باعتقاله..


وهنا عليك أن تقف قليلا قبل قراءة السطور التالية؛ فمصطفى محمود على وشك أن يبدأ في الحديث عن هيكل وعلاقته الخاصة جدا بعبد الناصر، والتي كان لها أبلغ الأثر على مصطفى محمود، عندما شرع في كتابة مقالات تنتقد عبد الناصر والنظام بشكل عام؛ فالأمر لم يعد بالنسبة لمصطفى محمود مجرد آراء متناثرة هنا وهناك يلقيها على الأصدقاء في الجلسات التي تجمعه بهم؛ بل سيكتبها في مقالات تنشر في الصحف ويقرؤها الجميع. برغم تحذير صديق له بعدم نشر هذه المقالات والسبب كما يقول هو:


“هيكل كان الصحفي الوحيد المقرب لجمال عبد الناصر فيثق فيه ويستمع إليه، وكان منتشراً بين جميع الصحفيين والكتاب والمفكرين سواء كانوا صغاراً أو كباراً أنه (يا ويل من يغضب عليه هيكل)، وأرجح أن غضب هيكل قد أصابني، وكان سبباً في حرماني من الكتابة عاماً كاملاً؛ فبعد أن كتبت مقالتين حملتا عناوين “هتلر والنازية” و”الخروج من مستنقع الاشتراكية”، وقبل أن أنشرهما قال لي أحد الأصدقاء: “المقالتان ستثيران غضب هيكل الذي لن ينسى أو يسهو أن ينقل غضبه لعبد الناصر وأنت تعلم مدى انصياع عبد الناصر له وثقته فيه”؛ ولكنني أصررت على نشرهما في “روزاليوسف”.

عبد الناصر لم تكن له حسنات تذكر

وبالطبع لك أن تتوقع ما سيحدث لمصطفى محمود، فالنتيجة كانت كما قال: “في البداية صودرت أعداد روزاليوسف من الأسواق، وخرج قرار إيقافي عن الكتابة، وكان المضحك أنه غير مسبب بمعنى “لم يصاحبه بشكل واضح سبب قرار الإيقاف”؛ ولكني بالطبع كنت أعلم سبب الإيقاف، وقام بإبلاغي قرار الإيقاف، كما ذكرت من قبل إحسان عبدالقدوس”.
كل هذا ببساطة لأن: “المقالتان تضمنتا هجوماً عنيفاً ضد عبدالناصر، والذي لم تكن له حسنات تذكر على الإطلاق؛ فمن البداية استولى على قيادة الثورة ونشر العمل المخابراتي في جميع أرجاء مصر؛ فأصبح الجميع يكتبون تقارير سرية في بعضهم البعض، وأصبح داخل كل أسرة شخص منها يتجسس عليها ويرفع التقارير إلى القيادات؛ فهذا بمنتهى البساطة وصفي لعهد عبدالناصر”.


وهنا من حقك أن تقرأ ما تضمنته هاتان المقالتان من نقد عنيف لعبدالناصر، وتسببتا في حرمانه عاماً كاملاً من الكتابة؛ ولكن بعد أن قام بتعديلهما (وذلك لكي تشمل المقالتان العهد الناصري بكامله وما ترتب عليه، وأضاف لهما الأحداث الزمنية الجديدة)؛ وخصوصا أنه قام بنشرهما مرة أخرى بعد موت عبدالناصر أيام السادات وفي وسط الثمانينيات.
وفيما يلي مقتطفات من المقالتين:

الفساد ما ولد إلا في حكم عبدالناصر

المقالة الأولى حملت عنوان “سقوط اليسار”:


في مصر تركة من الأخطاء القاتلة لابد من مواجهتها في جرأة: مجانية التعليم الجامعي التي حوّلت الجامعات إلى مجموعة كتاتيب لا تعليم فيها ولا تربية ولا حتى مجانية، وأضعف الإيمان أن يحرم الطالب الراسب من هذه المجانية، وأن يدفع تكاليف تعاليمه؛ وإلا كان حالنا من يمول الفشل والرسوب والإهمال من الخزانة العامة.
– يقولون إن عبدالناصر ليس مسؤولاً عن الفساد والتدمير والإهمال والرشوة والخراب الذي وصل بنا إلى ما نحن فيه، وهم يعلمون جيداً أن الفساد ما ولد إلا في حكم عبدالناصر الذي غابت فيه الحرية، وقطعت الألسن، وقصفت الأقلام، وسادت مبادئ النفاق والانتهازية، وحكمت مراكز القوى، وانطلقت عصابة القتل تعيث في الأرض فساداً، وما ولد الإرهاب الذي نعاني منه اليوم إلا في زنازين التعذيب في السجن الحربي بأمر وإشراف عبدالناصر؛ فقد تسبب عبدالناصر وحكمه في هزيمة منكرة وأرض محتلة، ومصر صغيرة أصغر مما ورثها عبدالناصر بمقدار سيناء وبمقدار حجم السودان كله.

فاتورة الخوف المتراكمة دفعها عبد الناصر في 1967

المقالة الثانية: حملت عنوان “الخروج من مستنقع الاشتراكية” والتي قال فيها…


– لم تكن الاشتراكية العلمية إلا المحض الخبيث الذي خرجت منه هذه السلالة من السفاحين من لينين إلى ستالين إلى تشاوتشيسكو الذين حوّلوا أوروبا الشرقية إلى زنزانة وسجن وساحة إرهاب وميدان للرعب تقطع فيه الألسن وتقصف الأقلام ولم تكن الاشتراكية العلمية اشتراكية، ولم تكن علمية؛ وإنما كانت تلفيقاً فلسفياً ومكراً يهودياً صنعه ماركس وجر به العالم إلى حمامات دم.

– لقد رفع أجدادنا أهرامات بدون حديد وبدون مسلح، وبقيت على الزمان خمسة آلاف عام، ونحن نرفع عمارات من الأسمنت والخرسانة والمسلح لتقع منهارة بعد شهور من بنائها، والفرق الوحيد هو هذا الشيء روح الجد عندهم.. وروح اللعب والعبث عندنا.

إن العمر قصير والإنسان لم يولد ليعيش عبثاً ويموت عبثاً، ويجب أن نعمل شيئاً في حياتنا.. وهناك شيء في الذوق العام وفي الفهم وفي الوعي وفي الإدراك يجب أن يتغير، وعلينا أن نجدول أولوياتنا من جديد؛ بحيث يكون العمل الجاد في البند الأول واللعب في البند الأخير.



مذكرات مصطفى محمود (7).. الأزهر لم يكفره وتعامل معه برقيّ

 

الحلقة السابعة من مذكرات مصطفى محمود والتي توالي جريدة “المصري اليوم” نشرها تباعا، أفردت هذه المرة كاملة للحديث عن كتاب الراحل “الله والإنسان” وتعليق الأزهر -وتحديدا الشيخ حسن المأمون- على الكتاب، والتي صدرت على أساسها وثيقة تكفّر مصطفى محمود، ولا يعرف أحد حتى لحظتنا هذه من الذي أصدر هذه الوثيقة.

مصطفى محمود يكشف عن أن الفتوى التي أصدرها الشيخ حسن المأمون لم يكن فيها من التكفير له على الإطلاق؛ بل إنها حتى لم تطالب بسحب الكتاب من الأسواق وقدّمت نقاط الاتفاق بين الأزهر والكاتب على نقاط الاختلاف، وهو ما عبّر عنه مصطفى محمود بالتأكيد على أن الأزهر بالفعل في هذا الوقت هو إمام الوسطية في مصر، وأنه كان أكثر رقة عليه من الهجوم الذي تعرض له فيما بعد؛ حتى أن الشيخ حسن المأمون نفسه كان أول من صدمه بهذه الحملة الشرسة التي تعرض لها مؤلف الكتاب، والتي كانت أول وثيقة تكفير من نوعها -حسب وصف مصطفى محمود نفسه.


مصطفى محمود نفسه كان متخيلاً حتى وقت قريب أن في نص الفتوى فعلا ما دعا إلى إصدار وثيقة تكفيره فيما بعد؛ ولكنه بعدما اطلع عليها بفضل نصيحة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، تبيّن أنها لم تمت للتكفير بصلة، وأنها كان فيها من الحوار والعقلانية ورقة الألفاظ الكثير، ويكفي أنها لم تُرِد ذكر اسم الكاتب منعا للتشهير به؛ وإنما اكتفت فقط بذكر الحروف الأولى من اسمه كالتالي م.م.



نص فتوى الأزهر الخاصة بكتاب “الله والإنسان”

سؤال: من الأستاذ: م.ح.أ بطلب قيد برقم ١٣٥٧ سنة ١٩٥٧ يرغب فيه منا أن نطّلع على كتاب (الله والإنسان) ونبدي رأينا فيه.


أجاب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
“فقد اطلعنا على هذا الكتاب الذي ألفه الدكتور (م.م) وأخرجه في مارس سنة ١٩٥٧ بعد أن نشر بعض فصوله في مجلة روزاليوسف. ونظرا لأن هذا الكتاب قد أثار ضجة كبيرة، وطلب مني الطالب بصفته ممثلا لمجمع البحوث العلمية وجماعة البر والتقوى إبداء رأيي فيما نشر بمجلة روزاليوسف من الكتاب، وفي الكتاب نفسه بعد طبعه وتوزيعه على القراء، وقد قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره قراءة هادئة غير متأثر بما أثير حوله؛ لأنني لا أحب أن يصدر حكمي عليه في جو عدائي له أو جو تسيطر عليه فكرة سيئة عنه”.


بعد ذلك بدأت الفتوى في عرض نقاط الاتفاق المشتركة بين الأزهر والكتاب كالتالي..


•”إن الكاتب عني في كتابه بتمجيد العقل والعلم والحرية، وإظهار أثرها في تقدم الفرد والأمة، ولا جدال في أن الدين الإسلامي قد سبقه إلى ذلك؛ فقد عرف للعقل قيمته وقدره، وطالب الناس بالتفكير في خلق الله، وبالنظر والاعتبار، ونجد آيات القرآن الكريم حافلة بذلك”.


•”كما أنه دعا إلى العلم بكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته وفي مماته، وكل ما يرفع شأن البشرية، ويحقق على الوجه الأكمل معنى خلافة الإنسان عن الله في أرضه، يعمرها ويستخرج كنوزها ويفيد من كل ما وضع الله فيها، وأيضا فإن الإيمان الذي فرضه الإسلام وسائر الأديان السماوية، وهو الإيمان بأن للعالم إلها واحدا هو الله سبحانه وتعالى، وهو المستحق وحده للعبادة والذي يستعان به ولا يستعان بغيره في كل شؤون الحياة يحقق معنى حرية الإنسان في أسمى صورها وأعلى مراتبها؛ فالمؤمن إيمانا صادقا لا يكون عبدا لغيره، ولا عبدا لشهواته، ولا لأي شيء آخر سوى الله سبحانه وتعالى الذي خلقه وخلق كل شيء”.


وبعد أن انتهى الشيخ المأمون من عرض نقاط الاتفاق بدأ في عرض نقاط الاختلاف؛ ولكنه عرضها بشكل محترم ليس فيه تتفيه من سمعة أو مكانة من اختلفوا معه -د.مصطفى محمود- دون نعتهم بالكفر؛ وإنما بالتأكيد على أن الكاتب لم يكلف نفسه عناء البحث والدراسة في الدين، وأنها أخطاء لم يقصدها بقدر ما إنه لو تدبر فيها لتراجع عنها.



وكانت أهم نقاط الاختلاف التي تناولتها الفتوى كالتالي..

• أولا أن مصطفى محمود قال في كتابه “الله والإنسان” (والطريقة العصرية في بلوغ الفضيلة ليست الصلاة؛ وإنما هي الطعام الجيد والكساء الجيد، والمسكن الجيد، والمدرسة والملعب والموسيقى، لقد صنعنا الصلاة على المذاهب الأربعة ولم يبق إلا أن نجرب الطعام الجيد). وهو ما يعترض عليه الشيخ المأمون ليس في جوهر ما يقول؛ وإنما في الألفاظ المصطنعة كقوله صنعنا الصلاة؛ حيث إن الصلاة أمر إلهي ولم نصنعها، وهو الخطأ الذي يعتبره الشيخ المأمون خطأ فاضحاً كان يمكن تلافيه.


• ثانيا ورد في الكتاب ذاته قول د.مصطفى محمود (الأديان سبب من أسباب الخلط في معنى السعادة لأنها هي التي قالت عن الزنى والخمر لذّات وحرّمتها فتّحولت هذه المحرمات إلى أهداف يجري وراءها البسطاء والسذج على أنها سعادة، وهي ليست بسعادة على الإطلاق)، وهنا يعتقد الشيخ أن المؤلف أغفل ذكر الحكمة الإلهية وراء تحريم مثل هذه الأمور؛ مستخدما المبررات العلمية التي لم يكن يقتنع د.مصطفى محمود وقتها بمثل غيرها؛ حيث أكد أن الخمر تم تحريمه لأنه يغيّب الإنسان عن عقله، العقل الذي يقدسه العالم مصطفى محمود؛ بينما جاء تحريم الزنا من أجل الحث على الزواج، وبالتالي التناسل، ومن ثم الحفاظ على النوع البشري، وبالتالي لم يكن التحريم تشددا أو رغبة في التضييق على البشر.


• ثالثا يعتقد د.مصطفى محمود في كتابه “الله والإنسان” والذي تراجع عن أغلب أفكاره فيما بعد وسحبه من الأسواق وحرق النسخ الموجودة (إن الله فكرة، إنه فكرة في تطور مستمر، كما تدل على ذلك قصة تطور الأديان..) وفي فقرة أخرى يقول (وشريعة هذا الدين -أي الذي يدعو إليه- بسيطة جميلة وهي الولاء للحياة)، الفتى لم يتمكن من تلافي هذا الاعتقاد والمرور عليه دون توقف؛ حيث أكدت الفتوى “الكاتب هنا يطعن في الذات الإلهية؛ فيتحدث حديثا ما كان واجبا أن يتحدث بمثله.. ويضيف.. لا أيها الكاتب المتعلم تعليما جامعيا ليس الله فكرة كما تقول؛ وإنما سبحانه وتعالى ذات منزهة عن صفات الحوادث ومتصفة بجميع صفات الكمال، وهو الذي خلقك وخلق كل ما تراه حولك؛ فليس الله فكرة متطورة كما تقول، وليست الأديان قصة كباقي القصص التي لا أصل لها؛ وانما الأديان السماوية حقيقة، أيدها الله سبحانه وتعالى بالمعجزات، التي أجراها على أيدي رسله”.


وردت بالفتوى اعتراضات أخرى كثيرة عن بعض الأفكار الواردة في كتاب مصطفى محمود، وكان ما سلف جزءاً منها؛ ولكن مصطفى محمود لم يتمكن من منع نفسه من الثناء على مستوى الحوار الراقي الذي اتبعه الشيخ حسن المأمون عكس ما هو حادث الآن، متهماً بعض فتوات الأزهر بأنها تصنع من مغمورين نجوما ساطعة، وتجعل الإقبال على كتبهم يضرب أرقاما خيالية بفضل فتاواهم التكفيرية لهم.

 

مذكرات مصطفى محمود 8 و9.. خرجت بالبيجامة بعد زواج 10 سنوات!!

 

أحيط قلبي بغلاف من الزجاج وعزلة عن كل المشاعر.. وفي وسط زحمة آلاف المعجبات.. ومئات اللاتي يتصلن بي.. وعشرات الفنانات اللاتي أقابلهن يوميا، ظل ذلك الحاجز قابعاً على قلبي لا ينقشع.. ولم تستطع إحداهن اختراقه.. وكل صباح كان يهتف: ألم يحن الوقت؟.. ألن أقابلها؟

هذا ببساطة ملخص الحلقتين الثامنة والتاسعة من مذكرات الدكتور مصطفى محمود، التي تواصل المصري اليوم نشرها على صفحاتها.. هنا سيتحدث عن علاقته بالمرأة بداية من والدته التي تركت أبلغ الأثر في تكوينه، مرورا بأخته الكبرى “زكية” وحتى قصة زواجه من ملكة جمال مصر…

الفتيات كن يرتمين على الدكتور حاضنات إياه ومقبلاته:

تبدأ الحلقة بتنبيه هام من محرري المذكرات بأن مصطفى محمود عاش مثلما مات تماما.. وحيدا.. ووحدته المقصودة هنا لا تعني أنه عاش وحيدا؛ لأن الجميع كانوا يحيطون به.. تشكيلة الصفات التي تمتع بها (مثل هدوئه وعصبيته، رقته وقوته، حنانه وجموده، طيبته وقسوته) عند الحاجة إليها وهبته كاريزما غير تقليدية.. كان دائما ما يجد نفسه محاطاً بالجميع.. لكنه مع ذلك وحيد.. وحدته في تفرد نفسه ومشاعره، وبالتالي لم يجد من يتعمق داخله ويفهمه ويروض تلك المشاعر..

كان يحيط به فنانات جميلات أمثال: سعاد حسني.. شادية.. مديحة كامل.. ليلى طاهر.. نادية لطفي.. خصوصا بعدما أطلق باب اعترافات عشاق؛ فكن يفضفضن.. ويستمعن إلى خلاصة كلامه رغم أنه لم يكن في وسامة عمر الشريف.. ولا فحولة رشدي أباظة، ولا في شجن حليم؛ ولكن مع ذلك كانت الفتيات عندما يجدنه يركب بجوار عبد الوهاب في مقعد سيارة أي منهما الخلفي؛ كن يفتحن الباب في إشارات المرور ويرتمين على الدكتور حاضنات إياه ومقبلاته.. ولم يكن يخلصه منهن إلا سائق محمد عبد الوهاب.. ولكنه على الرغم من ذلك.. وفي وسط كل هؤلاء كان بداخله يهتف: ألم يحن الوقت بعد؟.. ألن أقابلها؟.. ألن أقابل من تعتصر قلبي بمشاعرها؟.. أريد فتاة رقيقة هادئة شقية تصفق الأبواب بقدمها تشعل ما بداخلي..”.

أمي كانت أعظم أم في العالم:

هنا سيبدأ مصطفى محمود نفسه في سرد علاقته بالنساء وأولهم بالطبع والدته فيقول عنها: “أمي هي الزوجة الثالثة لأبي.. وهو كان الزوج الثالث لأمي.. لا أريد أن أقول كلاما تقليديا عن كونها أعظم أم في العالم أو أطيب أم في الخليقة لأنني لا أحب الكلام بهذه الطريقة الكلاسيكية.. لكن بالفعل أمي كانت أعظم أم في العالم.. يكفي أنني كلما تذكرت صفة واحدة من صفاتها أبكي.. عندما ماتت وخرج السر الإلهي كنت أقف بجوارها أبكي بشدة وأقول لها: “كلميني ولو كلمة واحدة فقط، قولي إنك راضية عني، واغفري لي شقاوتي وتمردي اللذين تسببا في إرهاقك طوال هذه السنوات”..

ويتابع: “أحيانا لا أتذكر كل التفاصيل عنها، وأحيانا لا أتذكر كل المواقف لها؛ لكن لو تذكرت لن أنسى ذلك المشهد، وأنا عائد ذات يوم من القاهرة؛ بينما كنت كبيرا بالغا أستطيع فيه السفر إلى أي مكان، ونظرت من نافذة القطار وأنا مقترب من محطة طنطا حيث نعيش فوجدتها تقف مستترة في زاوية أحد المنازل القريبة من المحطة بعباءتها وغطاء الرأس الخاص بها وتنتظر في قلق.. وعندما نزلت من القطار ذهبت إليها فلم أجدها.. وعدت إلى المنزل سريعا؛ فوجدتها تمارس أمور معيشتها بملابس البيت، عادي جدا وكأنها لم تكن موجودة”..

أختي الأمية زرعت بداخلي ناقوس الخطر:

وعن السيدة الثانية في قائمة من احتللن قلب مصطفى محمود، وهي الحاجّة زكية أخته الكبيرة من الأب -لمصطفى محمود تسعة إخوة من الأب لا يوجد بينهم غير مختار الشقيق- يقول: أختي زكية حاولت جاهدة أن تكمل دور الأم الذي افتقدته في فترة مهمة للغاية..

فكانت له الأخت الكبيرة الطيبة التي تبكي بشدة لو سمعت أن قدمك اصطدمت بحجر في الشارع.. والتي تقف خلفك في ظهرك وقت شدتك بدون انتظار أي نتيجة منك.

ويتابع: “أهم من ذلك كله أنها أنقذتني.. نعم فقد جاءت إليّ بعد التشهير بي مباشرة، وأخذتني في حِجْرها.. وغطتني بطرحتها البيضاء كما تعودت وأنا صغير.. وحمتني من الصحفيين ومراسلي الراديو والمجلات -لم يكن وقتها هناك وسائل إعلام كما في الوقت الراهن ولا فضائيات- وبعد شهرين أو أكثر أنهضتني على قدمي ونظرَت في عينيّ فوجدت أني ما زلت أمتلك إصراراً على أن أتحدى من وضعني في هذا الموقف.. فأجلستني أمامها وهي تبحث عن مدخل الكلام..

كنت أنظر إليها وأنا أفهمها وأعرف ما تريد أن تقوله لي.. عندما تعدل طرحتها البيضاء عند الكلام ويداها تعبثان بأكواب الشاي وتبدأ الكلام بأبي؛ فإني أعرف أن الكلام لن يعجبني، وفعلا قالت لي وقتها: “هل واجبك الأول هو تحقيق آمال أهلك فيك.. أم العبث وراء المجلات والصحف.. كنا نفرح وأنت تجتهد ونزغرد والمدرسون يصفونك لنا بالعبقري.. لكننا لا نريد منك أن تكون عبقرياً وميتاً، نريدك في وسطنا حتى لو بنصف ما أنت عليه الآن.. يا مصطفى يا عمري ده مش كلام قصص أو مجلات”.

وسكتُّ أمام ناظريها وابتلعت لساني، ولم أقوَ على الحديث بحرف واحد.. أختي الأمية هذه زرعت بداخلي ناقوس الخطر، وشغلت الإنذار..

ابنتي أمل أصبحت أمي:

أما السيدة الثالثة.. التي احتلت قلب مصطفى محمود في نصف عمره الأخير.. فهي أمل مصطفى محمود.. ابنته.. التي أصبحت أمه في أعوامه الأخيرة.. فالدكتور اهتز عند فقدان كلاً من أمه وأخته الكبرى، وظل يبحث عنهما، وعلى الرغم من زواجه مرتين؛ إلا أنه لم يجد ما وجده عند أمل..

فيقول عنها: “أنا عوضني الخالق بأمل طوال الثلاثين عاما الماضية، وهي تشعر بي حتى لو لم تكن بجانبي، أجدها تفتح الباب في اللحظة المناسبة، وتسألني ماذا أريد؟.. منذ طفولتها وأنا أشتاق إليها عندما تذهب إلى المدرسة.. أو أثناء أسفاري المتعددة للخارج.. تكوّن بيننا رابط نادر ونشأت بيننا لغة الأيدي!!

أي أننا كنا نتحدث ويداها الصغيرتان بين يدي وأنا مشغول أو وأنا راقد منهك، وكنت أفهمها وتفهمني، أخذتها معي في حواراتي وأنا صغير، وعندما كنت أشعر بأني مخطئ في شيء ما كنت أجلسها أمامي وأعترف لها، وأعتذر عما بدر مني، وهي التي أهدتني أول حفيد.

تعرفت علي زوجتي ملكة جمال مصر بالتليفون:
استعد هنا فقط، سيبدأ الحديث في تغيير مساره، سيتحدث مصطفى محمود عن أول عشق عاطفي في حياته، عن زوجته الأولى السيدة سامية.. ملكة جمال مصر، والتي لم يعرف أنها ملكة جمال مصر.. قبل أن يحبها.. لأنه ببساطة أحبها من التليفون”.

فيقول عنها: “سامية زوجتي الأولى وأم أولادي ونصفي الثاني، الذي لازمني الجزء الأكبر من عمري، معها بدأت علاقة الارتباط الحقيقية الأولى في حياتي، وتكونت على إثرها الأسرة التي خططت لها منذ زمن، واعترفت لي بأنها تحبني منذ أعوام طويلة”؛ فقد كانت مبهورة بكل عالم يظهر اسمه على الساحة؛ خصوصا لتأثرها بصديقة طفولتها سامية مصطفى مشرفة، ابنة العالم الكبير الراحل مصطفى مشرفة.

فيقول عن بداية تعارفهما: “قابلتها في المجلة لمساعدتها في حل مشكلتها، عرفت أن مشكلتها العاطفية كانت أنا، ولم أشعر إلا بعد أن انتقلت لي عدوى الحب بسرعة رهيبة، وأحببتها؛ فكانت جميلة جدا؛ وذلك رشحها في ذلك التوقيت، للحصول على لقب ملكة جمال مصر، بل لقد حصلت حينها على ملكة جمال قلبي، تزوجتها بعد رحلة طويلة من الحياة غير المستقرة”.

إصابته بمرض الإسهال كان سببا في تأجيل الزواج:


ولكن في فترة الخطوبة حدث ما لم يتوقعه الدكتور مصطفى؛ فقد أصيب بمرض  غريب لم يعرف له تشخيصا، وهو نوع من الإسهال غير المعروفة أسبابه، احتار الأطباء فيه، ولم يستطيعوا تحديد نوعه، وتسبب ذلك المرض في نقصان وزنه أكثر من خمسة عشر كيلو جراما؛ لدرجة أنه أصبح مثل الهيكل العظمي”.

وهنا اختار أن يصارح خطيبته الشابة بالحقيقة إشفاقا عليها من أن تصبح أرملة وهي في عنفوان شبابها بعد أيام من الزواج، وقال لها إنه يعفيها من أي ارتباط.

ولكنها أصرّت على الوقوف بجانبه ولم تتركه، وذهب إلى الدكتور أنور المفتي (أستاذه في الجامعة، وطبيب عبد الناصر الخاص، والذي أصبح فيما بعد صديقه، وواحداً من المتابعين لكتاباته ومن المعجبين به).

وبعد الكشف وإجراء بعض التحليلات المختلفة للوقوف على نوعية المرض بالتحديد ظهر أن مصطفى محمود غير مصاب بأي مرض خطير أو غريب، وبعد تعاطي الأدوية المناسبة شفي وتخلص من حمل ثقيل أصابه لفترة طويلة باليأس والإحساس بدنو الأجل.

الغيرة العمياء وراء فشل زواجي:



وهنا لم يعد هناك عائق من إتمام الزواج؛ فتزوجا في عام 1961 واستمر زواجهما قرابة العشر سنوات، عاشها سعيدا إلا قليلا بسبب غيرتها الشديدة عليه؛ رغم أنها كانت تصغره بـ 15 سنة كاملة؛ فكانت تلك الغيرة دافعا لها لكي تبحث داخل ملابسه، وتراقب التليفونات؛ فيقول عن تلك الفترة: “كانت تحدث مشكلة كبيرة مع كل رقم جديد أضيفه إلى أجندة تليفوناتي، أو أي صورة في مجلة تظهر فيها سيدة ما بجواري؛ فهي معجبة، مجرد معجبة ليس إلا؛ ولكن طبعا بعد خناقات وبهدلة ومراقبات، تبدأ برقابة على التليفونات، وتفتح خطاباتي، وتحولت حياتي إلى جحيم لا يطاق؛ فأنا كنت متهماً دائماً بأشياء لا أفعلها، وترتّب على ذلك حكايات كبيرة ومشاكل أكبر، وكل هذا خلق جواً لا يساعد على الكتابة والإبداع؛ فكنت لكي أكتب لابد أن أسافر إلى أي مكان”.

ويتابع: “سافرت أيامها إلى السودان، واستغرقت في رحلاتي إلى الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية، وأتذكر أنني خلال رحلة إلى المغرب قرأ لي الكف عراف مغربي، وقال لي إنك متزوج من امرأة جميلة؛ ولكنها عصبية “عصبية حبتين”؛ فلم أكن أكتب في مصر -أو بالتحديد في شقتنا في الدقي- مطلقا؛ لأن حياتي تحولت إلى مشاكل لا تنتهي؛ لأنها كانت توقظني في منتصف الليل، ويحدث بيننا شجار بلا أي سبب أو سابق إنذار”.

فكانت النتيجة أن طلقتها في عام 1973 “وتركت لها كل شيء، وأتذكر أنني في آخر يوم خرجت بـ”بجامتي” فقط، بعد خناقة كبيرة ولم أعد إلى شقتنا حتى الآن، وبعد ذلك كانت مرحلة صيام عن المرأة”.. ورغم كل هذا لا ينكر أنهما قضيا مع بعض سنوات لا تنسي، يصفها أنها من أجمل سنوات العمر؛ ولكن كانت النهاية المتوقعة لهذه الغيرة العمياء أن يذهب كل واحد منهما في طريق، “رغم أنني كنت أحبها بجنون”.

وينهي هذا الجزء من مذكراته قائلا: “قضيت بعد انفصالنا مدة طويلة، زاهداً في الحياة بعدها، ثم تزوجت الثانية وهي الزيجة التي استمرت 4 سنوات، وانفصلت عنها هي الأخرى، لأعتزل النساء جميعا”.

“الجميل أنه بعد كل هذا تجد سامية وهي تعيش مع ابنتنا أمل، نعيش في منزل واحد؛ لكني أعتزل في شقتي. هل تعلمون أني بعد نوبات الغيبوبة التي تنتابني من عام إلى آخر، أسقط في غياهب النسيان، وأستيقظ لأجد سامية تتناوب مع أمل السهر علي ومداواتي، حتى إطعامي وإعطائي الدواء!! تعلمون، رغم كبر عمري، لو عاد الزمن مرة أخرى، سوف أفعل ما فعلته ثانيا، سوف أحبها مرة أخرى، وأتزوجها مره أخرى، وأنجب منها أدهم وأمل مرة أخرى”

مذكرات مصطفى محمود 10.. زيجاتي فشلت بسبب تفضيلي للعلم والإيمان!!

 

كان الجزآن السابقان من مذكرات الدكتور مصطفى محمود التي تنشرها المصري اليوم يركزان على الحديث عن المرأة في حياته؛ بداية من والدته التي تركت فيه أبلغ الأثر، مروراً بأخته الكبرى زكية وزوجته الأولى التي ظلت ترعاه حتى بعد أن انفصلا، وحتى ابنته أمل التي ارتبط بها كثيراً خصوصاً في تلك السنوات الأخيرة التي شهدت اشتداد المرض عليه..


في هذا الجزء يتحدّث بالتفصيل عن تجربة زواجه الثانية والتي رغم فشلها زادته قناعة أنه لم يُخلق لكي يكون مثل سائر الناس بل خُلق لكي يُسخر نفسه من أجل العِلم ومساعدة الناس، والتفرّغ للتأمل والقراءة والكتابة.. وعن التجربة بالتفصيل من فضلك انتقل للسطور التالية….


لم تتحقق أمنية الاستقرار التي حلمت بها
“لم يخضع قلبي لعملية إجهاض لفشلي في الزيجة الأولى.. ولم يكن مصيري الاختباء داخل غرفتي أو منزلي لمروري بتجربة زوجية كان مقدرا لها النجاح ولكنها فشلت، مثلما يفعل الضعفاء من الرجال في مثل هذه المواقف.. بل كنت أقوى بكثير مما تتوقعون، واجهت الانفصال الأول في حياتي بدبلوماسية وهدوء؛ لأنني كنت قد توصلت إلى القرار بعد تفكير عميق.. بعد أن أصبحت الحياة الزوجية مستحيلة لتبنيها للغيرة القاتلة”.. كانت هذه كلمات المفكر مصطفى محمود بعد أن انتهى من آخر سطر في قصة زواجه الأولى.

فبينما كان يومه في هذه الفترة مقسّماً إلى عدة أجزاء.. ما بين علمه وإيمانه وأوراقه ومؤسسته الخيرية وبرنامجه وتطلعاته.. كانت عملية تفسير القرآن تأخذ منه ربع يومه الطويل الذي كان لا ينام فيه سوى ثلاث ساعات، وكان دائماً يُحاول الوصول منها إلى شيء لا يُدركه.. ثم يترك القرآن ليغلق على نفسه سطح الجمعية ليراقب السماء، لا يستيقظ من تلك الساعات التي يسبح فيها مع ملكوت الخالق إلا بعد أن يطرق أحد العاملين في برنامج “العلم والإيمان” على الباب؛ لأن موعد التصوير قد حان..

وهكذا كانت تدور الحياة.. وكان يسأل نفسه دائماً: هل أنا سعيد؟؟ ألا ينقصني شيء؟؟ كان هذا السؤال سؤالاً ملحاً لا بد للدكتور من الإجابة عليه، فقال يُجيب على نفسه: “لم تتحقق أمنية الاستقرار التي حلمت بها.. حلمت دائماً بحياة أشبه بحياة أبي وأمي وطالما بحثت عنها طويلاً.. قضية الغيرة مع سامية عرقلت هذا الحلم.. وفوجئت في أحد الأيام بأنني أعيش وحدي بدونها.. وأخذت وقتاً حتى تعوّدت على النظام الجديد.. كنت في هذه الأيام بدأت حلماً اسمه (الجمعية) كتبت آلاف الأوراق وسجلت عشرات الحلقات التي تتكلم عن العلم والإيمان، وعرفت أن هناك خلاصة واحدة لاندماج الاثنين وتتمثل في شيء اسمه (العمل)”.

ويُتابع: “لأن الحب الأول في حياتي قد ذهب ضحية الغيرة فقد ظللت أكثر من ثماني سنوات صائماً عن الزواج، لدرجة أن أصدقائي المقرّبين أطلقوا عليّ جملة أصبحت بعد ذلك على لسان القريب والبعيد وهي “درش عنده عقدة الحريمات”، ولكنني بعد تفكير عميق وطويل تطلب مني عزلة استمرت لعدة أشهر أفكر في الأمر، وأقرأ كل الكتب السماوية والتفاسير والأحاديث النبوية لأتوصل إلى حقيقة المرأة، وكيف يُمكن السيطرة عليها، إلا أنني أوقفت التفكير في كيفية السيطرة عليها عندما قابلت زينب”.


استطاعت هي أن تبعد عني عقدي تجاه النساء
وهنا في لقائه بزوجته زينب قصة يرويها هو قائلاً: “زينب قابلتها عام ١٩٨١، تعرّفت عليها داخل مجلة صباح الخير أثناء نقاش دار بينها وبين مفيد فوزي وبعض الأصدقاء حول لغز الحياة والموت، وظللت أستمع لها دون تدخل ثم استأذنت منهم جميعاً وناقشتها بعد ذلك بنفسي واقتنعت بها وأعجبت بشخصيتها القوية.. كان لها أفكار غير الأفكار التي أقابلها كل يوم.. وقمت بدعوتها بعد ذلك لزيارة الجمعية والمسجد لترى الإنشاءات الجديدة.. وعندما حضرت أعطيتها مجموعة من الكتب وكتبت لها إهدائي عليها، وكانت هي في ذلك الوقت تعمل مأمورة ضرائب، ولكنها كانت مثقفة دينياً وكانت محجبة.. ولديها موهبة الخطابة وحساسة، وجلست كثيراً أفكر في الارتباط بها، وكانت تحادثني نفسي أحياناً: هل تريد تكرار المأساة فهذه هي المرأة التي أخرجت آدم من الجنة؟”.

ولكن إعجابي بها كان إعجابا أكثر من إعجابي بأنثى؛ فهو إعجاب بأنثى وفكرة.. واستطاعت هي أن تبعد عني عقدي تجاه النساء، وعلى الفور صارحتها بما يحوي قلبي من مشاعر حب تجاهها، ولكني لم أبلغها بأني أعد لها مفاجأة وهي أنني قررت التقدّم لطلب يديها من أسرتها.. دعوت نفسي على العشاء في بيتها في ليلة ما.

 ويتابع: “وللمصادفة كان اليوم الموافق يوم المولد النبوي وبعد العشاء وبينما أحتسي الشاي مع أخيها أحمد ووالدتها، طلبت يدها بمنتهى الرقي والبساطة والهدوء، وكانت مفاجأة بالنسبة لها فلم أخبرها كما ذكرت، ولكنها قبلت على الفور وكانت سعيدة جدا ورحبت أسرتها بطلبي، وكان وقتها فارق السن بيننا كبيراً فقد كانت هي في الخامسة والثلاثين من عمرها، بينما أنا في الستين من عمري، ولكني لم أكن خاضعاً للشيخوخة التي تهاجم من هم في مثل عمري ولم تكن هذه السن حاجزا بيننا..


حققت رغبتي فتزوجتها في المدينة داخل المسجد النبوي
ومن هنا أيقنت أنها تريد تحقيق الهدف الذي اجتمعنا عليه، وهو العطاء بلا حدود وبلا انتظار مقابل، وكان يتمثل هذا الهدف في جمعية محمود الخيرية الإسلامية التي كنت قد اتخذت قرارا بإنشائها منذ زمن بعيد، ولكنه لم يترجم بشكل صحيح إلا حينما ارتبطنا سوياً فأصبح هناك اتحاد بيننا.
وكان لشقيقي مختار -الذي تولّى منصب محافظ الدقهلية- دور كبير في تأسيس الجمعية في بدايتها.. ومثلما تقدّمت إليها يوم المولد النبوي كنت أريد أن أتزوجها في أقدس بقاع الأرض.. وتحققت رغبتي فتزوجتها في المدينة داخل المسجد النبوي رغم أنني كنت أريد زواجها في مكة داخل الكعبة إلا أن هذا كان القدر.

ثم واصل الحديث قائلا: “كنت أنا ثالث زوج لها، وكانت هي ثاني زوجة لي، وتذكرت في هذه اللحظة أن والدي أيضا كان ثالث زوج لأمي وعاش معها في حياة مستقرة وجميلة، وحدثت نفسي بأني سأنعم بنفس ما وصل إليه أبي رحمه الله من استقرار أسري، فقد كنت أعتقد أني شديد الشبه له في ملامحي الشكلية وفي حظي، وما شجعني للارتباط بها سريعا مسألة الدين ورغبتها في أن تفكر في نفس الهدف وتريد أن تكون معي شريكة هدف نصل إليه معاً، فقد كنت في أشد الاحتياج لمن يقف بجانبي ويشجعني على ما أقوم به في وقت كان ينتقدني الجميع في تصرفاتي، معتقدين أنني عندما أهب حياتي وأنفق أموالي في سبيل الله فإنني قد أصبت باضطراب عقلي”.

كنت أعلق على باب حجرتي لافتة مكتوبا عليها “التابوت”

ووجدت أن هذه الإنسانة ستقف بجانبي، وعرفت أنه لا بد من إنسانة تشاركني في رحلة الحياة التي ستكون جافة دون امرأة، وهذا الزواج استمر أربع سنوات فقط، وكان الطلاق؛ لأنها لم تستطِع أن تثبت ما قالته واتفقنا عليه بأن نهب حياتنا لله، واكتشفت أنها إنسانة مثلها مثل باقي بنات حواء، كانت امرأة تريد أن تخرجني من الجنة.. تريد أن تعيش الحياة بما تحويها من نعم وفسح ورحلات للخارج قد اتفقنا أنها من المحذوفات من قاموسنا، وكانت حياتي قاسية جدا عليها فكيف تعيش معي في حجرة فوق سطح جامع.

وهنا غرق مصطفى محمود في موجة من الضحك وهو يقول: لقد كنت أعلق على باب هذه الحجرة لافتة مكتوبا عليها “التابوت” يعني نعيش في مقبرة ولهذا لم تتحمل حياتي الميتة.. فالحياة أصبح لا معنى لها في نظرها، مع أنها كانت تعلم ذلك من البداية، بل بالعكس قالت إنها تحب بشدة هذه الحياة الدينية وحياة الزهد، ولكنها في النهاية امرأة عادية تريد أن تعيش زوجة لكاتب كبير.

كانت تعتقد أنها متزوّجة من أحد الكتاب المعروفين، وتحلم بأن تقضي رحلاتها في باريس ولندن وأوروبا وتعيش حياة مرفهة، وليس في حجرة على سطح جامع مكتوب عليها “التابوت”، وطبعا كان لها أولادها من زوجيها السابقين ثلاثة أولاد كنت أعاملهم مثل أبنائي تماماً، وأحسست بعد مرور عام على زواجنا أن كلاً منا يدور في فلك مختلف تماما عن الآخر وأيقنت أن “زينب” نسيت الهدف الذي جمعنا سويا، ولم تعد تفكر فيه وتم الانفصال في عام ١٩٨٤ وجاء قرار انفصالنا بعد فترة من التفكير من الطرفين وعن اتفاق، فقد كان انفصالنا مهذباً ومحترماً كما كان زواجنا، وقد حدث الانفصال بعد رحلة استجمام في سانت كاترين.

بعد الطلاق أصبح مذهبي في الحياة هو أن أقاوم ما أحب وأتحمّل ما أكره

وكانت نتيجة الفشل الثاني في زواجه قرر ‏أن‏ ‏يُسخر نفسه لرسالته وهدفه كداعية‏ ‏إسلامي ومؤلف‏ ‏وكاتب‏ ‏وأديب‏ ‏ومفكر‏ عن اقتناع تام بأن هذا قدره، ‏ومنذ‏ ‏هذا‏ ‏الحين‏ ظل يعيش ‏في جناح‏ ‏صغير‏ ‏بمسجده بالمركز‏ ‏الإسلامي، ثم انتقل إلى شقته بعد ذلك عندما اشتد المرض.

وهنا يقول: “عرفت أنه من الصعب أن أجد الحب النادر مثل الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضي الله عنها التي أعطته نفسها ومالها وصحتها وعمرها بكل سعادة، وهذه نماذج نادرة بل نادراً ما يجد الإنسان شخصاً يفنى معه في الهدف، أياً كان فقد تلقيت دروساً طويلة وعميقة وعرفت حدود هذا الحب. ثم إن مشكلة المرأة أنها تستنزف منك شيئا غاليا جدا هذا الشيء اسمه الاهتمام وهذا أغلى ما يملك الإنسان؛ لأنه الطاقة النفسية البحتة، وحين تحب وتنشغل وتسهر فإن هذا الانشغال هو ضياع الهمة؛ لأن همتك تصبح حينئذ في المحبوب ويضيع منا أغلى ما نملك..

ويتابع: “ظل مذهبي منذ تلك اللحظة في الحياة هو أن أقاوم ما أحب وأتحمّل ما أكره باعتبار أن الحب الحقيقي الباقي هو حب الله سبحانه وتعالى أما الحب والهوى فهو خداع والذي جرب يعرف ذلك جيدا.. يسهر وينشغل. ولكن الآن طغت المادية بشكل كبير على العالم فعلى الرغم من أن باريس ولندن ونيويورك عواصم النور والحضارة إلا أنها تحوّلت إلى بلاد العلاقات الجنسية المنحلة والشذوذ والمخدرات والهيروين، فالرجل متزوّج وله أكثر من عشيقة وزوجته لها أكثر من عشيق، فقد سيطر الإحساس باللذة والمتعة على حياة الناس وأصبحت حياتهم نوعاً من الأخلاق القرودي، وتحولت حياتهم من الرقي والسمو إلى الانحلال والفجور”.

وأخيراً كنت أنظر إلى نفسي في المرآة وأدقق في النظر إلى ملامحي وبنياني وأقول: لماذا دائما تفشل علاقات الحب والزواج الموجودة في حياتي؟ لقد فشل الحب الأول “عديلة” في مهده وأنا صغير؛ بسبب ضعفي أمام مجموعة من الصبية، وهنا أتساءل: هل لأني كنت دائما أفضّل الفكر والعلم والدين على الحب؟!! وأجد الإجابة.. نعم كنت أفضل العلم والدين حتى على راحتي ونفسي فهذا هو الباقي وهذا هو الهدف الذي كنت دائماً أسعى إليه مهما كانت العواقب والتضحيات التي تبذل في سبيل ذلك الهدف السامي والنبيل.

وينهي هذا الجزء قائلا: “لقد تزوّجت مرتين وفشلت في الزيجتين وربما تكون الزوجتان معذورتين؛ لأن لدى مشكلتين؛ فبجانب مسألة الطبيب والكاتب والفيلسوف والإعلامي والمفكر والمؤلف هناك أيضا أمر أصبح مشكلة في تلك الفترة، وهو أنني الذي أخطط لكل شيء في حياتي، لم أخطط أنني سأصبح في يوم من الأيام صاحب رسالة.. بالفعل أصبحت أحمل رسالة للجميع”.




مذكرات مصطفى محمود (11) رحلات حول العالم.. دعارة وحشرات وتقدم

 

في هذا الجزء من مذكرات الراحل مصطفى محمود التي توالي جريدة المصري اليوم نشرها يتحدث مصطفى محمود عن الرحلات الكثيرة التي خاضها في حياته والبلاد العديدة التي زارها؛ مبينا أثرها على حياته وعلى فكره.

يؤكد الكاتب الراحل مصطفى محمود أنه لطالما حلم بأن يسير من القاهرة وحتى أقصى الجنوب بأفريقيا، وقد واتته الفرصة عندما تم اختياره ضمن الوفد المسافر لحضور المؤتمر الأفرو آسيوي بتنزانيا بصفته صحفياً بجريدة روزاليوسف.

مشاكل عدة جابهت محمود وكادت تعيقه عن السفر؛ على رأسها منعه من السفر بسبب تشابه اسمه مع اسم ضابط ممنوع من السفر، وعندما حُلّت هذه المشكلة جاءت مشكلة توفير العملة الصعبة، وأخيرا حُلّت المشكلة.

قد يفاجئ الجميع عندما يعلمون أن مصطفى محمود شرع بالفعل في تنفيذ حلمه بالعودة إلى القاهرة سيرا ورفض العودة مع البعثة العائدة، حتى ظنه الجميع مازحا.

قبائل نيام نيام العراة
عندما وصل مصطفى محمود إلى جنوب السودان شعر بحفاوة غير عادية من قبل أهل قبيلة نيام نيام الذين يقول عنهم مصطفى محمود: هناك عشت ثلاثة أشهر من أفضل أيام حياتي بين أبناء قبيلة “نم نم” أو “نيام نيام” التي يعيش أهلها عراة تماما إلا من ورقة توت.. استضافني زعيم القبيلة، وكان يجيد الإنجليزية لتعامله مع الاستعمار الإنجليزي، والغريب؛ بل الكارثة والفاجعة أنه كان متزوجا من خمسين سيدة يسكنون في خيام متجاورة، وعرض عليّ أن أتزوج أربعا من بناته، وعلى الفور أصابني الرعب من هذا المأزق ولم أستطع الخروج منه.. ماذا سأقول لزوجتي سامية في مصر “دي كانت تتجنن وتقتلني..”

فضحك زعيم القبيلة عندما سمع مني هذا الكلام، وأكد لي أن الرجل عندهم لا يعمل وغير ملزم بالإنفاق على المنزل أو الزوجة؛ ولكن المرأة هي التي تقوم بالعمل والإنفاق عليه، وكانت دهشتي بالغة حين رأيت بعيني الرجل فى هذه القبيلة يقتصر دوره على الجلوس تحت شجرة ليدخن ويأكل ويشرب؛ بينما نساؤه يعملن لتوفير كل متطلباته، ولم يكن غريباً ما سمعته وشاهدته بأن المرأة هي التي تطلب من زوجها أن يتزوج عليها لكي تجد من يساعدها في العمل، كما أن الجنس منتشر في هذه القبيلة بشكل كبير؛ فالمضاجعة دون زواج مباحة؛ ولكن بشرط ألا تحمل الفتاة؛ فإذا حملت تقدم هي وعشيقها أمام محكمة القبيلة وتكون الفضيحة والعار لها ولأبنائها من بعدها.

في الصحراء الكبرى الرجال منتقبون
هذه المرحلة من الرحلة يصفها مصطفى محمود بأنها كانت الأصعب، وفيها قابل أناساً يحفظون القرآن، وعندما يموتون يرفعون أصابعهم في إشارة إلى الله؛ ولكنهم رغم ذلك وثنيون.

وعن أكثر غرائب هذه القبيلة يقول مصطفى محمود: من غرائب هذه القبيلة أن الرجال فيها منقبون “ملثمون”، والنساء متبرجات، وهذا ما استوقفني كثيرا أفكر في الأمر؛ محاولا أن أجد تفسيرا منطقيا لما يفعلون، وسمعت الكثير، وكان ضمن ما سمعت أن الرجال دائما في الصحراء يسفون الرمال ولكن المرأة لاتخرج من بيتها؛ لكن اكتشفت أن ديانات هذه القبائل تعتبر الفم عورة لأنه مصدر خروج الخير والشر والرجال في الطوارق يفتخرون بأنهم ظلوا مع زوجاتهم طوال أربعين أو خمسين عاما ولم تر فمه أو تقول الزوجة: لقد عشت مع زوجي أربعين أو خمسين عاما ولم أر فمه.

عن حشرات غدامس القاتلة
أكثر ما أرعب مصطفى محمود لدى وصوله مدينة غدامس الليبية هو تلك الحشرات التي يمكن للسعة إحداها أن تميته فورا قبل أن يصل للمستشفى التي تبعد عدة كيلومترات عن المدينة؛ في حين لا يوجد بالمدينة ككل سوى فندق واحد سبق وسكنته صوفيا لورين أيام تصوير فيلم الخيمة السوداء.

أما في الهند؛ فكان لرجل روحاني هندي تأثير كبير على فكر مصطفى محمود؛ فرغم أن هذا الرجل عاش طفلا مدلالا في أحد القصور الهندية وتعلم مع أبناء الملوك في إنجلترا؛ إلا أنه عاد إلى الهند، وقرر أن يهيم على وجهه في وسط الكهوف؛ فتأكد بعدها محمود أن السماء بجوار الله أفضل من الحياة  بالقرب من الناس.

الدعارة في ألمانيا للسياح فقط
استعجب مصطفى محمود كثيرا من طول فترة بقائه في ألمانيا؛ ولكنه رغم ذلك لم يرَ ويسمع غير الورش والمصانع؛ فسأل أحد أصدقائه أن يرشده إلى أي من الملاهي فساقه إلى أحد الكباريهات التي ليست ككباريهاتنا؛ فبها عجائز وموسيقى هادئة فحسب؛ ولكن مع الوقت اكتشف مصطفى محمود وجود شارع مخصص للسائحين الأجانب به بائعات الهوى.

ويقول عن هذا مصطفى محمود: عرفت أنني لا أتفرج على ألمانيا بل أتفرج على نفسي وعلى الصورة التي في ذهن الألمان عني وعن السياح.

وعن أطرف المواقف التي قابلت مصطفى محمود في هامبورج؛ وتحديدا بالفندق يقول: عندما فتحت باب الغرفة كانت خاوية تماما ولا يوجد بها سرير، وغضبت جدا؛ فقد كنت منهكاً من السفر وأريد النوم، وإذا لم تكن هذه غرفتي فسيكون هناك وقت حتى أنتقل إلى الغرفة الجديدة، أو سأنتظر حتى يفرشوا هذه الغرفة، وبسرعة بحثت عن الخادم وعندما جاء أبديت له دهشتي من معاملتهم للسياح في ألمانيا.. أتعطونني غرفة فارغة هل سأنام على الأرض وأصاب بالتهاب رئوي وبرد..

وابتسم الرجل ونظر إلى شعري الأكرت، ثم اتجه إلى زر في الحائط وضغط عليه فخرج سرير كامل المعدات من داخل الحائط، واتجه إلى اليمين وضغط على زر آخر فخرجت كنبة، وشد حبلا في الخلف فخرج مصباح وكتب وكرسي ومائدة عليها راديو وتليفون ونوتة مذكرات وإعلانات وهدايا، وشعرت بالخجل من جهلي بالتكنولوجيا الحديثة -وأنا كاتب وروائي- أمام خادم ألماني.
اختتم محمود حديثه عن ذكرياته حول العالم بمدينة روما بإيطاليا بكنائسها وفنها الرائع؛ مؤكدا أنه تأكد أن التمثال الفرعوني يبدو من أي زاوية تمثال جميل الشكل أما التمثال الروماني فيبدو من بعيد لعبكة نظرا لكثرة تفاصيله.



3 تعليقات

  1. السلام عليكم
    أولاً أُحيِيكى أستاذة بسمة على هذه المدونة الأكثر من رائعة والتى تُثرى العلم والعقل البشرى وكم هى مطلوبة مثل هذه المدونات لتثقيف الشباب الصاعد والعودة مرة أُخرى لعصر العلم والعلماء وإسمحى لى أن أكون صديقا لمدونتك الرائعة

  2. وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته

    بالطبع اسمح لك ان تكون صديق لمدونتى ويزيدنى الشرف ان ترى مدونة مهمة فى تثقيف الشباب دمت بود اخى الفاضل وكم انا سعيدة بتعليقاتك فى المواضيع الاخرى

    واسفة على التاخر فى الرد

  3. وكم تمنيت ألا تنتهي هذه المذكرات …..
    مشكورة على الجهد في التقديم🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: